11 جوان 2021 22:50

وقفة مع "فادي" ابن سيدي حسين الذي عرّى المنظومة الآسنة

 يسرى الشيخاوي- 

مشاهد تعرية الطفل في سيدي حسين لا تغيب عن ذهني، تقفز إلي في اليقظة والمنام وأجدني في كل مرة عاجزة عن إيجاد سبب واحد أو جزءا بالمائة من سبب يدفع أولائك الذين سميوا أعوان أمن جزافا لتعرية جسد مواطن وتغطيته بالركل واللكم ناهيك عما تيسّر من شتائم. 

لم يكن الفيديو بكل ذلك الوضوح الذي يخوّل لمشاهده أن يستطلع وجه الطفل وتعابيره وهو في مرمى أشخاص انتفت الانسانية داخلهم وإلا لما فعلوا فعلتهم التي تعجز أقذر كلمات العالم عن توصيفها. 

غياب الملامح وكثير من التفاصيل، يشرّعان المجال لكل مواطن لأن يضع نفسه مكان طفل يبلغ من العمر خمسة عشر سنة، طفلا كان عمره أربع سنوات حينما جاءت الثورة لتهز عرش الاستبداد.

كثيرة هي الأحداث التي تلتها صور لأعوان " أمن" ينهشون أجساد المواطنين بأحذيتهم وعصيهم ولكن مشهد نزع السروال أسقط ورقة التوت عن المنظومة الآسنة وعرى الهوة بين شعارات "التغيير" وبين الواقع المرير. 

مشهد نزع السروال فاق فيه الواقع الخيال وهو المتبوع بإجبار الطفل على السير عاريا لبضعة أمتار في اتجاه السيارة التي كان من الممكن أن تتحرك هي في اتجاه وهو الحافي العاري، مشهد تتهاوى على أعتابه دولة القانون.

فيدو مدته بعض الثواني كان كفيلا بان يفضح حقيقة الوضع في تونس اليوم، فيديو شاهدته لأكثر من مرة  وفي كل مرة تتواتر الأسئلة ولا أجد إجابات غير الدموع، دموع تنزل على خدي لتطفئ حرقة على خدي الذي مازال يؤلمني كل ما تذكّرت صفعة رسمها "رجل" "أمن" على خدي ذات مظاهرة مساندة لغزة.

تلك الصفعة غيرتني كثيرا، هزت ثقتي في نفسي، تلاشت معها تلك الطفلة المقبلة على الحياة داخلي، حاولت استعادتها حينما اندلعت الثورة ولكن المنظومة الآسنة مازالت تصفعني في كل مرة مع كل اعتداء بوليسي على المواطنين. 

حقيقة لا تستوي مقارنة صفعة بسحل وتعرية وضروب من اللكمات والركلات ولكن يستوي القول بأن بالأمس استبداد بوليسي واليوم استبداد بوليسي، ولعل من ألطاف الثورة أنها جعلتنا نوثق لكل تلك التجاوزات التي على كثرها تظل معزولة في الرواية الرسمية للسلطة. 

في الأثناء كنت أفكر كثيرا في الاستماع إلى رواية الطفل ولكني لم أكن واثقة من نفسي ومن قدرتي على تحمل ما سيرويه دون إصدار أي رد فعل، صراع داخلي بين جدودو العمل الصحفي والوجع الإنساني ولكن في الأخير قررتُ أن اتواصل معه وأحاول أن أتقاسم معه وجعه وإن كان الامر لا يستقيم.

كان صوته والده عبر الهاتف، ذكرتُ اسمي وصفتي فأخجلني من فرط الترحاب والثناء على زميلاتي وزملائي ممن نقلوا الحادثة واستمعوا إلى الرواية على لسان ابنه، فوجدتني دون تفكير أسألأه عن وضعه النفسي. 

"ولدي في بدنو لباس توة أما تاعب نفسيا ماعادش يحب يخرج"، عند سماع هذه الكلمات كنت أفكّر في مدى قدرتي على كتم التنهيدة وعلى مواصلة الحديث، نبرة صوت الوالد محملة بالألم فمابالك بابنه.

لم تلبث التنهيدة كثيرا وتتحرر فاستثمرتها لأطلب الحديث مع الابن مع تخييره بين الموافقة والرفض إذا كان وضعه لا يسمح بذلك ولكن لم يلبث أن تسلل صوته إلى داخلي حتى امتلأت به وأنا أحاول ان أتحسس بعض ما يعتمر داخله من أحاسيس. 

اسمه "فادي" كل ذنبه انه شارك في جنازة ابن سيدي حسين الذي قتل على يد أعوان "أمن" قالوا ان جرعة زائدة من "الزطلة" قتلته وتلك حكاية أخرى، بل مؤشر آخر على فساد المنظومة برمتها.

بعد الدفينة وصلنا الصندوق للراجل اللطف عليك، في مكان بعيد عن مركز الامن وأنا مروح شفت برشا موتورات يجروا قلي آقف وقفت على روحي"، هكذا تحدّث إليّ ولعلّني طيلة حياتي لم استشعر وقع تعبيرة "اللطف عليك" مثلما هو الحال هذه المرة.

فيما هو يواصل الحديث عن الحادثة التي جدّت الأربعاء الماضي حوالي الساعة الخامسة والنصف مساء كنت أبتسم لأن أولائك الأشخاص المهووسين بالاستبداد نزعوا سرواله ولكنهم لم ينزعوا انسانيته.

"وقفت جوني 3 من الناس شدني واحد من يدي يعطيني مقص حاشاك ينطّرني الفوق ويهبطني طحت على ظهري وعلى راسي وزيد برك في بالبونية والسبان وساقيه فوق جنبي ولاخر يحب ينحيلي سروالي ولاخر يجبد ولاخر شدلي يدي ونحالي السروال وقعد يضرب في ضربني بمشطة في صدري تقطعلي النفس"، كلمات فادي أوردتها كماهي كما لفظها ولكن كل كلمات العالم مجتمعة لن تترجم كل الاحاسيس المتصارعة داخلي وانا استمع إلى فادي.

بين الطمأنينة التي سكنتني لاستشعار رغبة فادي في تجاوز هذه الحادثة وبين الحنق والسخط على المنظومة، يسترسل فادي في سرده للحادثة " بعد عيط للكرهبة الكرهبة كي جت ماطلعنيش خطوة بفحجة نجي فيها، اللي فيها خدم الكرهبة وبعد بها مشاني برشا عريان وكيف دخلني للكرهبة نلقى راجل كبير الداخل حتى لتوة نتذكر وجهه حافظ وجهه قعد يضرب بالبروتكان على صدري على راسي على جنبي كانه واحد مش قاعد يحس".

رحلة التعذيب لم تنته بنزوله من السيارة ودخوله إلى مركز الشرطة، فهناك رحب به عون بصفعة حتى كاد رأسه يرتطم بالحائط، وقضى أكثر من أربع ساعات في المركز قبل نقله إلى بوشوشة مع منتصف الليل.

بنبرة ساخرة يتحدث عن الاتهامات الموجهة من ذلك السكر واستهلاك الأقراص المخدّرة وتعرية نفسه وبأشد سخرية يتحدّث عن تزييفهم لعمره، ومع حديثه عن الاستماع إليه من قبل الفرقة المركزية لمكافحة الإجرام ببن عروس رفقة والدته، حاولت أن أخفف بعضا من وجعه غير المعلن في صوته. 

عن تلك الصفعة حدثته وعن تفاصيل اخرى رافقتها، وعن عدمي توقفي عند تلك المحطة ومواصلة دراستي كان شيئا لم يكن (ظاهرا)، وليتني لم احدثه عن الدراسة ففادي منقطع عن الدراسة بسبب ما سماه " ظروف". 

في الواقع لم أكن شجاعة بما يكفي لأسأله عن هذه الظروف، حتى السياق لا يستوعب مثل هذه الأسئلة ولكن هي فرصة لتلقي الدولة وهياكلها نظرة على وضعية فادي ولما يزاول تعليمه من جديد أو يلتحق بأحد مراكز التكوين المهني.

 "بدات تتنحالي الحكاية من مخي بحكم بابا وامي واصحابي واولاد حومتي نسوني في الموضوع.. وانتم يرحم والديكم" كانت هذه آخر كلمات "فادي" قبل أن أنهي المكالمة لأنني لستُ قوية بما يكفي لاستوعب أنفاسه المبعثرة.. 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

"رحلة مع الضوء": عرض علمي مثير ومتطور تعرضه مدينة ...

23 سبتمبر 2021 17:22

مروى الدريدي- قدمت مدينة العلوم بتونس اليوم الخميس العرض الأوّل  

مسؤول: الاعلان اليوم عن تركيبة الحكومة أمر مستبعد

23 سبتمبر 2021 16:14

 بسام حمدي- من المستبعد أن يعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد اليوم الخميس عن تركيبة ...

توقيع اتفاقية شراكة بين مدينة العلوم بتونس ومدينة ...

23 سبتمبر 2021 15:28

مروى الدريدي- وقّعت مدينة العلوم بتونس اتفاقية تعاون مع نظيرتها بغرناطة، اليوم ...

ثغرات دستورية فسحت المجال أمام سعيد لتطبيق مشروعه ...

23 سبتمبر 2021 13:00

      ما انفك رئيس الجمهورية قيس سعيد يجري تغييرات جذرية في السلطة تتماشى ...

سعيّد يقرر التعليق الجزئي للعمل بالدستور

22 سبتمبر 2021 17:57

  بسام حمدي- قرر رئيس الجمهورية قيس سعيد اليوم الاربعاء القيام بالتعليق الجزئي ...

الحكم بالسجن 85 سنة في حق رجل أعمال

22 سبتمبر 2021 15:11

 رشدي معلى- أصدرت المحكمة الابتدائية بصفاقس منذ قليل حكما قضائيا يقضي بسجن رجل ...