11 ماي 2021 22:10

المرأة بين مطرقة العادات وسندان عجز العلم

 أميرة حجلاوي-
 طالما ارتبطت الهستيريا بالمرأة تاريخيا ولعدة قرون فكان توصيفا حصريا لنساء ذوات تصرفات تشذ عن السائد والمتعارف عليها، حاليا انتشر استعمال هذا المصطلح وأصبح أكثر تعميما، فصرنا نوصف من يتصرف بانفعالية وغضب شديدين بالهستيري.
فإذا سلمنا بأن الهستيريا كانت ولا تزال من الأفكار السائدة " الكليشيهات" الجندرية وهي حاليا تعبير عن درجة عالية من الغضب فماهو التعريف العلمي القادر على الفصل في الأمر؟ 
 
تم اكتشاف ورق بردي فرعوني يصف حالات هستيرية كأول دليل مادي تاريخي يدون ويقر بوجود هذا الاختلال السلوكي الواسع الانتشار في الحضارات القديمة ظهرت انحرافات عن التصرفات المحمودة اجتماعيا لدى الكثير من النساء.
وهي سلوكيات تشترك في عدد من هذه الأعراض: الحزن، البكاء الصياح الانفعالية وحتى الانهيارات العصبية وعدة أعراض جسدية،  في سنة 400 ق. م أطلق رسميا اسم الهستيريا على المرض (في اللاتينية (Hystériat=utérus: أحد أعضاء الجهاز التناسلي الأنثوي.
وتعود أصل التسمية إلى أبقراط وهو طبيب يوناني مشهور وlلذي رغم كونه من ضمن من فكوا الارتباط بين الطب والسحر فإنه التجأ إلى أسهل التفاسير إذ أنه أمام عجزه على فهم هذه الظاهرة لم يجد من بديل عن اعتبار الجهاز التناسلي الأنثوي سبب الشر وأصل الاضطراب.
 
تاريخ من الاضطهاد 
 
كان إنجاب الأطفال (ولا زال ولو بدرجة أقل نسبيا) الوظيفة الرئيسية للمرأة وكلما كان عدد الأطفال الذكور كبيرا كلما زاد الاعتراف بقوة العائلة وتدعم نفوذها وقدرتها إما على حماية السلطة أو الثروة أو نشر الدين أو مساعدة الأب في تحصيل القوت.
لطالما اقترن تعريف المرأة بتحديد وظيفتها البيولوجية منها تستمد أهميتها وأحيانا احقيتها في الحياة فانجاب الأطفال هو حجر الأساس في تعريفها وسبب وجودها، وإن يرغب الرجال في تواصل نسلهم فإن قيام المرأة بهذه الوظيفة حتى على أحسن وجه ودون نقائص لا يميزها عنه.
قدرتها على الاضطلاع بهذا الدور بإتقان هي وظيفة فرضها الله / الطبيعة عبر التكوين الفيزيولوجي وهي معيار لتحديد الوظائف الاجتماعية على مستوى أكبر، فالمرأة وعاء حمل مطالب بتوفير الظروف الملائمة لنشأة الأجنة. وبالتالي فإن أي اضطراب في سلوكها مرده خلل في جهازها التناسلي لأن هذا الأخير يتطلع حسب علماء عصور الظلام بلهفة محمومة إلى القيام بوظيفته الطبيعية الغريزية أي إنتاج الأجنة.
وصمت كل امرأة مصابة بالهستيريا بوباء جنسي مخجل،  هكذا فسر علماء الحضارات الهستيريا دون اعتبار للجوانب الاخرى من اهتزاز نفسي واضطراب عاطفي وشخصية خاضعة. حتى إن الكنيسة في العصور الوسطى في أوروبا كانت تشجع على التخلي على النسوة المصابات وحرقهن.  
إضافة إلى دورها في تأمين استمرار النسل، تضطلع بدور الحفاظ على شرف القبيلة والعائلة بالمرأة وبالتالي فإن تصرفات المرأة لطالما كانت محل انظار ومراقبة السلطة الأبوية في كل الأزمنة والأمكنة.
وإن ارتفعت نسبة التمدرس حاليا لدى الفتيات في البلدان العربية، وإن مشت المرأة خطوات (قليلة) في اتجاه التحرر فإن تلك المراقبة لم ترفع عنها إلى حد الآن في كثير من البلدان العربية. بل ضلت سمعة العائلة مرتبطة حصرا بأخلاق بناتها.
وظل هذا يشكل ضغطا على البنات، إن لم يواجه ردة فعل حالية قد ينفجر لاحقا في وقت غير متوقع،  ليس في هذا إنكار لدور الرجل الاقتصادي لكن هذا جعله يمنح الحق المطلق لنفسه ليستأثر بدور القرار والقيادة في أغلب الحضارات، ثم إن اعتبار المرأة عاجزة عن توفير الحاجيات المعيشية هو قرار ذكوري شوفيني صرف.
لا يتسع المجال لتوصيف دقيق وموضوعي لوضع الاضطهاد الذي عانت منه أغلب نساء البشرية، يكفي ألا يوجد مجال لنفي تركيز المرأة في المواقع الثانوية رغم بعض الاستثناءات. 
تشابه وضعيتا المرأة حديثا وقديما تؤكده كل من الدكتورة المغربية كنزة ناجي مختصة في الأمراض النفسية والتحليل النفسي والدكتورة رجاء بن سلامة وهي باحثة مختصة تونسية. تشير أطروحة الدكتورة كنزة ناجي، التي اهتمت بالفتيات الهستيريات، إلى الدور الذي يعهد إلى الام في مراقبة بناتها بأمر من الأب في سنواتهن الأولى..
لكن بعد بلوغ الفتيات يأخذ الأب من جديد زمام الأمور، دور منحه إياه الدين والثقافة، وهو مع فعلا مع حسناء التي تغيرت حياتها بعد بلوغها، لتدخل مرحلة جديدة أصعب وأخطر بالنسبة لها لكن خاصة بالنسبة إلى والدها الذي يرتبط شرفه باستقامة ابنته ....
تلعب الام دور الوسيط في نقل معلومة هذا التحول الجسدي والهرموني إلى الأب كإشعار له بان يتولى هذه المهمة الأصعب بنفسه وبأن المراقبة يجب أن تضاعف لتفادي أي " شر" .
هذا ما تؤكده حالة حسنة التي اصيبت بالهيستيريا وهي عينة من ملايين الحالات المشابهة في عموم المجتمعات المحافظة،  تشير الدكتورة إلى فتاة أخرى اضطرت الى دخول المستشفى نتيجة لإصابته بنوبات هستيريا.
بعد اسابيع، تحسنت حالتها: اختفت النوبات واستطاعت التعبير عن علاقتها الباردة مع أبيها،  أب كان يمشى على ساقيه ليقيس المسافة الفاصلة بين البيت والمدرسة وليحدد وقت عودة ابنته ب 8 دقائق، هكذا قضت الفتاة فترة طفولتها في خوف ورعب من هذا الرقم، في فترة حملها بانت نتائج هذا الرعب حيث رافق الحمل حالات اختناق وفقدان للوعي.
وتقول رجاء بن سلامة وهي باحثة مختصة تونسية "لا نجد دراسات عن الهستيريا وثقافتها في بلادنا لكنني أذكر شكوى النساء طفولتي عشتها بصحبة نساء كن يشكين من شلل اليد، الغشية أحاديث النساء عن انتقال الوجع من عضو إلى آخر........."
إن تاريخ الإنسانية هو جريمة كاملة الأركان ومتواصلة في حق النساء، جريمة باركتها بل وشاركت فيها المؤسسة العلمية أو الطبية في تواطؤ مع نظام أبوي انعكس حتى على الاستنتاجات الطبية.
لكن كيف يمكن نقد الاضرار النفسية التي أدت بما لا يترك مكانا للشك إلى الهستيريا في مجتمع يسمح، يشجع ويلقن مثل هذه الوسائل في التربية في تصالح معها؟ ولمن كان الفضل في توفير التشخيص الدقيق للحالات المصابة؟ 
 
ما الذي يدين به التحليل النفسي لمعاناة النساء؟
 
في ظل تواصل انتشار الوباء ومع حتمية التطور البشري الطبي منه أساسا اقترن جزء من أبحاث علوم الطب بدراسة هذا الوباء، ومن أهم العلماء ضهر في هذا السياق اسم عالم الأعصاب Charcot. Jean-Martin Charcot هو عالم فرنسي مؤسس علم طب الأعصاب الحديث وطبيب رائد في العلاج النفسي.
يعتبر من أهم إن لم يكن أهم عالم أعصاب،  اهتم بدراسة علاقة الدماغ بالهستيريا وأعتمد في ذلك على طريقة البحث السريري وبحث الفرق بين الهستيريا والصرع حيث اعتبرهما اضطرابين عصابيين يشتركان في جملة من الأعراض ومتشابهين كثيرا.
وقد حافظ مفهوم الهستيريا على صفة العصاب في تعريفه الى الآن والانسان العصابي هو المدرك لحالته، واعتبر Charcot أن هذا المرض يجد مصدره في الجهاز العصبي دون وجود اصابات خارجية مرئية.
وقد حاول إثبات أن مرض الهستيريا يرتكز على ضرر في الوظيفة الديناميكية للأعصاب في مستشفى de la Salpêtrière تم تعيين Charcotعلى رأس قسم يهتم بحالة الهستيريا وتعتبر Augustine أشهر مريضة اهتم بها، جاءت إلى المستشفى سنة 1875 عندما كانت تبلغ 18 سنة.
ومما جعل هذه الحالة الفضلى لدراسة المرض هو الصيغة المتكررة لنوباتها العصبية، أولا اعتبر دماغها مهيأة بصفة وراثية وبالتالي حتمية لظهور المرض، وكان يعرضها أمام عموم الزوار في حصص استثارة لمرضها.
وقد حافظ على قناعة الأولين بأن الجهاز التناسلي على علاقة بالمرض وشاعت حصص تصوير فوتوغرافي للنساء المريضات في نهاية القرن 19، و تجدر الاشارة أن اسم Augustine هو اسم مستعار يضمن اخفاء هوية الحالة كما كان يفعل Freud مع حالاته المعروفة.
أما Freud الذي كان تلميذا مجتهدا لدى Charcot سنتي 1885 و1886 فلم ينطلق من كل منطلقات استاذه كان مدينا ل Charcot في معطى أن الهستيريا هي نتيجة صدمة عاشها المريض وعوامل جنسية، وكان مدركا أن للدماغ طبقات من مادة لا واعية تختفي في وجود الوعي. وبالتالي كان أقرب الاثنين لما وصل إليه العلم الحديث واعتبر أن حالة الهستيرية هي أساسا وليدة اضطرابات نفسية وهو ما أكدته حالة Dora.
 
مع دفع الأبحاث في هذا المجال يؤكد الخبراء اليوم على وجود فرق كبير بين المعني العلمي الحقيقي لمرض الهستيريا والمعنى الدارج المستعمل تعسفا على اللغة والعلم. تعرف الهستيريا على أنها " مرض نفسي عصابي مع تحويل الحالة الانفعالية إلى إسقاط جسدي للتمييز أو التميز أو هروبا من الواقع أو جلبا للانتباه".
توصيف الانفعالي يعني أن الحالة الوجدانية العاطفية للمريض هي في أوجها إلا أن عصابية المرض لا تعني أن الاسقاط يحدث بصفة إرادية على الجسد بل يحدث لا شعوريا بعد قرار يأخذه اللاوعي بتواطؤ مع النفس.
الدليل على ذلك أن الأعراض تكون حقيقية وصارخة وأحيانا شديدة الخطورة كالشلل المؤقت أو العمى المؤقت أو الصمم المؤقت أو فقدان الوعي الذي إذا تواصل قد يؤدي إلى غيبوبة فعلية.
حاليا لا يعتبر السبب الوراثي من العوامل المسببة للمرض وبالتالي تسقط إحدى فرضيات Charcot يعتبر العاملان الرئيسيان: معالم الشخصية والمعايير الاجتماعية، ويقصد بمعالم الشخصية: الجنس: فتاة في مقتبل العمر (وهي نفس حالة Augustine وDora) -العاطفية-تمركز الفعل حول الذات -الرغبة في لفت الانتباه -، هذه الدوافع الداخلية تدخل في صراع مع المعايير الاجتماعية الجندرية والظالمة. تتولد حينئذ رغبة في استدرار العطف مبنية على حاجة فعلية إلى جلب الانتباه وكأنه نداء استغاثة. 
 
نوبات الهستيريا بمختلف أعراضها هي حاجة عن تنفيس عن حقن داخلي لجلب الانتباه إلى اضطراب نفسي تعاني منه شخصية رافضة للميز الاجتماعي مهما كان نوعه. وإن ظلت المرأة عامة في العصور الوسطى ضحية عجز العلم الذي كلفها قرونا من العذاب فإن المرأة العربية ظلت إلى اليوم حبيسة قفص العادات والرجعية
 
 
 

مقالات ذات صلة

مدن الاسفلت.. القاتلة..

11 جوان 2021 13:11

بقلم سيف سالم- صوب أزقة المدينة المكتظة بالجثث

رئيس الدولة يذيب الجليد ويؤكد علوية الدستور والتمسك ...

27 ماي 2021 09:25

 بقلم: سمير جراي سعيد: لسنا دعاة انقلاب ومن المخجل الحديث عن انقلابات سعيد: لا أحد ...

في حضن "كورونا"

26 ماي 2021 10:30

يسرى الشيخاوي- "لا شيء يحدث صدفة" يتردد صدى هذه الجملة في رأسي المثقل بأوجاع  ...

هل فشل رئيس حكومة الوحدة الليبية في تنفيذ تعداته؟

25 ماي 2021 17:59

 شذى الخياري- شكل انتخاب رجل الأعمال عبد الحميد الدبيبة رئيسا للحكومة ...

التدخل الأجنبي في ليبيا وإنعكاساته على مستقبل أبنائها

20 ماي 2021 11:33

 يا الدولة العربية الواقعة في شمال إفريقيا تشكل ساحة صراع وتنافس بين القوى ...

فلسطين وصفعتي الأولى

11 ماي 2021 12:20

يسرى الشيخاوي-    في سنتي الثانية بالمعهد الثانوي قدت مسيرة تلمذية تنديدا ...