01 فيفري 2021 13:11

عبد الحميد الجلاصي: ليس انتصارا أن نكسب معركة الشارع مُقابل خسارة سُمعتنا

بقلم عبد الحميد الجلاصي-
 
رغم كل شيء فان هناك الكثير مما يدعو الى الاعتزاز في هذه البلاد بشرط ان نحدد زاوية الرؤية وان ننتبه للرسائل العميقة.
 
الشعوب بطبيعتها صبورة بما يسمح للبعض بالمجازفة بوصفها بالخضوع والاستسلام. ولكنها لا تبادر الى الفعل المباشر قبل الإمهال وإرسال الإشارات للتنبيه.
واحدى الميزات الاساسية للمنظومة الديموقراطية انها توفر المتنفسات حتى لا يحصل الاختناق والانسداد. فالديموقراطية ليست فقط توازن المؤسسات ولا حتى حصر النقاش داخل و بين ما هو منظم، انها اوسع من ذلك، فهي ايضا الراي العام الذي يعبر، وتعبيره ليس بالضرورة عبر الكلام.
 
تلك هي حيوية الديموقراطية حين تتحسب لامكانية تواطيء "اَهل الفوق " على "الناس تحت" كذا اقرا سياسيا الاحتجاجات الليلية المعبرة عن ضيق وتبرم.
 
وهكذا افهم الاحتجاجات عالية الشحنة الأيديولوجية التي حدثت منذ يومين ،و لكنها ايديولوجيا لا تشبه شيئا سابقا حتى يتصور البعض انه بامكانه احتواؤها.
 
ولكن ما يشغلني اكثر هو القراءة الاجتماعية والثقافية. اذ يجب ان نتذكر للمرة الألف ان العالم اصبح دون أبواب و ان الجغرافيا انتقلت الى رحمة الله بما احدث انقلابا في دلالة الزمن نفسه. في حين لا نزال مسكونين بالمركزة، ومطمئنين لحكمتنا التي يجب ان نعلمها لمن هم "اصغر" منا، وربما حتى عبر   "التعليم البنكي".
 
لقد تمرد الشباب منذ دهر، منذ نصف قرن بالتمام والكمال على هذه العقلية، فعل ذلك حينما كانت الجغرافيا في عنفوانها وحينما كان للحدود سطوتها.
 
والغريب أن جيل التمرد بالامس هو جيل المحافظة و التبرير اليوم.
 
دون التحلي  بكثير من التواضع وبذل جهد للاستماع والفهم والتفهم ستنفلت الاوضاع من كل السرديات القديمة بل من كل السرديات اصلا.
 
لاحظوا ان التعبيرات الجديدة وخاصة الشبابية تفيض وتتمرد عن اليمين وعن اليسار. يجب أن نصيخ السمع لما يعتمل في الأعماق، وهوعادة ما ينطلق همهمة ثم ينفجر بركانا. داخل هذه الصورة من واجبي ان اعبر عن إحساسي بالاعتزاز.
 
انا من جيل كانت علاقته متوترة بأجهزة الدولة و خاصة بالمؤسسة الأمنية ،وقصتي الشخصية معها لم تكن دائما رومانسية. ولكن التماس لسنوات علمني ان اقرأ وان افهم  وان انتبه للمنحدرات الاجتماعية والجهوية. هذا التماس علمني ايضا ان اتفهم.
 
لكن في تلك مرحلة كان الحكام يضعون ضحاياهم في مواجهة بعضهم.
 
اما اليوم فقد فعلت الثورة فعلها رغم كل شيء، فقد استرد الامن حريته ويتجه كي يكون تحت العلم وتحت سلطة القانون دون سواه رغم محاولات التلاعب (كما هو شأن المؤسسة القضائية التي مطلوب منها رفض اي تدخل من هذا الحزب او ذاك ومن تلك المؤسسة او الاخرى خارج سلطة القانون ).
 
لا اقبل ولن اقبل اي انتهاك لحرية اي  تونسي واي تونسية، ولكني اعبر بصوت مرتفع عن تعاطفي مع المؤسسة الأمنية ومع ابطالها. أنتم تدفعون بدلا منا، فكل الشتائم موجهة في الحقيقة لنا نحن ولكنها تلقى في وجوهكم لان تقسيم العمل جعلكم في الواجهة.
 
قبل عشر سنوات كانت قوة الأمني تتمثل في قساوة قلبه واستعداده لقتل "أمه وابيه و فصيلته التي تؤويه"، وقدرته ان يكون هراوة لا تفكر.
 
اما قوة الأمني اليوم  فتتمثل في القوة النفسية والتعالي والقدرة على الامتصاص والانتباه انه ليس خصما لمن هم في مواجهته، بل ان دوره يقتصر على تنظيم احتجاجهم حتى لا يلحقوا ضررا بأنفسهم.
 
صورة المؤسسة العسكرية جيدة وتشرف ديموقراطيتنا، ورغم كل الصعوبات فان صورة المؤسسة القضائية وصورة المؤسسة الأمنية تتحسنان ايضا.
 
رجائي الا يتسامح الأمنيون مع التشويش على هذا المسار. اذ ان القوة ليست في الانتصار للنفس وانما في الانضباط لأمانة شرفتكم بها المجموعة الوطنية.
 
اتوقع ان يتزايد مستقبلا الضغط على المؤسسة الأمنية في كل العالم، اذ ان توسع مجال الحرية هو ايضا توسع اللجوء الى الاحتجاج من اجل مطالب تتزايد يوما بعد يوم ولن يكون بمقدور افضل الدول الاستجابة لها كلها. وهذا يعني تغيير مناهج تكوين الامنيين ولذلك حديث.
 
في خضم انتفاضة الطلاب والشباب في فرنسا في ماي /جوان 1968 حصلت مصادمات كبيرة بين المحتجين وقوات الامن، حينها توجه رئيس شرطة باريس Maurice Grimaud برسالة لكل العائلة الأمنية تبقى درة في صياغتها وفِي محمولها الإنساني والاخلاقي والسياسي "ليس انتصارا ان نكسب معركة الشارع مقابل خسارة سمعتنا".انصح بالاطلاع عليها.
اعبر عن اعتزازي: انتم بصدد اداء دوركم.
اعبر عن أمنية: ارجو ان يقوم الساسة بدورهم.

مقالات ذات صلة

في الذكرى العاشرة: تدخل الناتو في ليبيا أدى إلى الفوضى ...

19 مارس 2021 16:24

شيماء المناعي- تصادف اليوم ، 19 مارس 2021 ، ذكرى مرور 10 سنوات على عدوان حلف الناتو ...

ليبيا مفتاح العرب لإفريقيا

13 مارس 2021 14:44

* فوزي عمار  ليبيا التي تغسل شعرها في بحر اوربا  اكثر الدول وصولا لافريقيا والتي ...

استقالة المشيشي أو سقوط الشيخ.. من كان الأسرع؟؟

08 مارس 2021 20:07

بقلم: راشد شعير أستقيل؟ .. لا أستقيل؟ هو سؤال المشيشي اللحوح

حكومة الوحدة الوطنية الليبية ورهانات المرحلة ...

06 مارس 2021 14:02

بقلم نادية مسغوني باحثة في الشأن السياسي الليبي والجزائري- تنقسم ليبيا إلى ...

راشد الغنوشي ومتلازمة العبور من "الجماعة" إلى ...

27 فيفري 2021 16:11

بقلم بلال مبروك- لا شك، ان مشهد الرئيس التونسي قيس سعيد

عبد الحميد الجلاصي عن إقالة ألفة الحامدي: نصيبي من ...

22 فيفري 2021 11:24

عبد الحميد الجلاصي عن إقالة ألفة الحامدي: نصيبي من الحقيقة