17 ديسمبر 2020 08:20

رصاص ودموع ونقاط ضوء.. هوامش على شريط الثورة

 بقلم مبروكة خذير- 

أفقت من النوم على أمل، كانت داليدا قد استقبلتني على موجات الاذاعة: حلوة يا بلدي..
اليوم قفزنا في الزمن عشر سنوات، الفرق الاول اني أفقت من النوم وأنا أغرق في حرية داخلية أكثر من المعهودة وحرية خارجية تحاوطني.
أعددت القهوة على عجل تنتظرني رحلة تحتاج الكثير من التركيز، وكأن التاريخ يعيد نفسه في هيئات مختلفة فمنذ عشر سنوات في مثل هذا اليوم كنت استعد لرحلتي بكثير من الخوف تحت رقابة النظام ووطأة الرقيب الداخلي في.
شددنا الرحال الى مدينة الرقاب، كانت يومها مدينة حزينة تودع تسعا من شهدائها من الشباب اليافع سقطوا جميعا برصاصة قناص غادر لا نعرف اليوم بعد عشر سنوات من هو ولا ندرك من وظفه للقتل من فوق اسطح البيوت.
سيدي بوزيد بين الامس واليوم.. 
كانت مدينة الرقاب يومها ثائرة، اعترضتني من مداخلها هتافات المحتجين الغاضبين الهاتفين بأصوات عالية، " لقد همشونا نحن مظلومون من ارضنا تخرج خيرات الخضر و نحن هنا منسيون ..." قالتها لي يومها امراة بحرقة الثكالى. 
سلكت الطريق الى الرقاب ومنها الى سيدي بوزيد لاعرف ان كانت الوضعية نفسها؟! هل تغير الوضع اليوم وهل تحققت العدالة الاجتماعية التي حلم بها ذلك الشاب الملثم منذ عشر سنوات و هو يصرح لي دون الكشف عن وجهه مخافة ان يتم التعرف عليه من  قبل نظام الدكتاتور فيتم التنكيل به لجرأته وقتها في انتقاد الوضع.
ذهبت الى هناك وأنا شبه مقتنعة أن حال الناس لم يتغير وأن الامور تعقدت اكثر ولكن الفرق ان ذلك الشاب الثائر اصبح اليوم يصرخ ملء الحنجرة غضبا بوجه مكشوف دون لثام.
انه موسم الحج السنوي الى مدينة سيدي بوزيد، كل القنوات الدولية التي اشتغل معها تريد ان تطلع على مجريات الاحداث كل عام لعلها تجد قصصا تشي بالتغيير نحو الافضل.
في كل عام ازور مدينة سيدي بوزيد في ذكرى الثورة لانقل واقع الحال، واقع اراه في كل مرة يسودّ اكثر في عيون من ثاروا وقتها.
هذا العام قررت ان ابحث عن قصص نجاح تعيد الامل و لو قليلا، منيت النفس وحدثتها ان وسط هذا الخراب هناك بصيص امل ووسط مدينة افرغت من شبابها الذي ركب بعضه البحر قنوطا، هناك أقلية اختلفت رؤيتهم.
نجم الدين الخليفي.. حكاية أمل 
عاهدت النفس أن ابحث عن قصة تختلف عن سابقاتها، بحثت فوجدت قصة نجم الدين الخليفي، شاب قاد الحراك الثوري في مدينة الرقاب من سيدي بوزيد، شاب تجاوز عقدة الضحية ليجعل من الضعف قوة وحماسا.
خريج لغة ايطالية متحصل على شهادة في الاعلامية انسدت في وجهه افاق التشغيل في اختصاص اتم فيه الدراسات الجامعية لكنه لم يستسلم لوضع يزداد سوءا وانبرى يشغل النفس بالعمل الجمعياتي، صنع لنفسه افقا ارحب للنشاط فانصهر في النشاط الجمعياتي الى ان ترشح لانتخابات المجالس البلدية وصار ذو رأي سديد في منطقته.
الشاب المجاز في الايطالية لم تفتح له ابواب التعليم جنباتها فانصهر في العمل الفلاحي وهاهو اليوم "يخضّر" الزيتون فيجمع  المحصول ويبيعه، نجح الشاب في مجال فلاحي عادة ما كان طاردا للشباب.
هاهي مدينة الرقاب التي كانت بالامس القريب تلبس كفن الشهادة تستقبلني اليوم بهدوء يشق المكان وحيزا اكبر من الامل رغم قتامة المشهد السياسي من حولنا.
منذ عشر سنوات مثل هذا اليوم سلكت الطريق، كانت الكاميرا ترتعش بين يدي فانا اتحدى النظام الذي لم يمنحني وقتها ترخيصا للذهاب هناك لتغطية وضع متفجر كان الهدف اخفاؤه عن العالم.
تغيرت المعطيات واليوم ها انا أجوب البلاد بترخيص يتجدد بشكل اوتوماتيكي كل شهر دون ضغط ولا بحث امني عميق يصعب على الصحافي كل المهمات.
كتبت يومها وصيتي الاخيرة، فرصاص القناص لا يفرق بين شباب ثائر او شابة ترفع بين يديها الكاميرا وسط الجموع.
كتبت يومها وصيتي لعلي اموت برصاص غادر فالوضع خطير والتعتيم سيد الموقف.
اليوم بعد عشر سنوات أعود الى تلك الربوع سالكة الطريق نفسها، لكنها طريق دون خوف هذه المرة، طريق لا تحتاج جهادا للنفس وشجاعة خارقة لتقود فيها سيارتك بارجل مرتعشة من سلطة الرقيب.
ها انا اعود هنا اليوم  ولكني لم اعد  أعيش جهادا للمؤسسة الامنية للحصول على رخصة التنقل.
قد يبدو الامر صعبا جدا، وقد تكون خيبة الامل هي الواقع المعيش للكثيرين لكن هي في نظري خيبة مشوبة بنقاط ضوء كثيرة لعل اهمها اني اليوم اتنفس حرية واتنقل لاكتب لكم الان عن ذكرى وعن احساس اذا فاض في الروح تحول الى هذه الكلمات، اما منذ عشر سنوات فلا حق لك في ان تترجم احساسك احيانا حتى لنفسك في قرارة نفسك...فحتى النفوس وقتها تشك في نفسها ان تكون رقيبا.
دخلنا غابات الزياتين في منطقة الرقاب، ارياف تعيش على مواسم فلاحية اهمها موسم جني الزيتون شتاء وموسم الخضر والغلال في فترات الصيف.
وجدنا النساء متسلقات أشجار الزيتون وفي الضفة الاخرى شبابا يخرط حبات الزيتون.
كان مجدي الخليفي يحادث الطرفين ايهما سيجمع اكبر قدر ممكن من حبات الزيتون في ذلك اليوم.
بدا مجدي على خلاف كثيرين مكتفيا وراضيا عما يقوم به من عمل فلاحي بعيدا كل البعد عن اختصاصه في اللغة الايطالية وما درسه في الاعلامية.
بقي الشاب فترة من الزمن عاطلا عن العمل حتى تشبع من العمل الجمعياتي الذي قاده للتفكير في الاستثمار في القطاع الفلاحي.
باتقان يتابع نجم الدين مسار جمع الزيتون فهو يشتري المحصول في اشجاره قبل بداية الموسم ويوفر له اليد العاملة ومن ثم يبيعه خلال الموسم .
شاب ثلاثيني لم يختر القنوط و لا ينتظر منة في وظيفة عمومية فالعمل الحر بالنسبة له يفتح امامه باب الرزق ما دامت اجهزة الدولة عاجزة عن توفير مواطن الشغل لشباب الجهة.
يحلم نجم الدين ان يكون له مصنع لتصدير الزيتون البيولوجي، حاول مرة ولكنه فشل بسبب البيروقراطية وكثرة ما يتطلبه الاستثمار في هذا المجال من اجراءات ادارية.
مشروع مؤجل بالنسبة له لكنه حلم سيظل يراوده مادام قد بدأ العمل في هذا المجال.
 كان نجم الدين يحمل موقفا مختلفا فهو يدرك ان التغيير اليوم بيد الشباب وان هناك سعيا حثيثا للربح السريع وسط تفشي عقلية التواكل التي يجب ان يتخلص منها الشباب لينصهر في الانتاج ذلك ان موارد الجهة تحتاج سواعد الشباب في شتى الاختصاصات .
لا يتوقف عمل نجم الدين عند العمل الفلاحي بل هو ايضا عضو المجلس البلدي في منطقة السعيدة هناك يكتمل عمله بالنظر في طلبات اهالي الجهة وانتظاراتهم فهو مؤمن ان العمل على المستوى المحلي يمكن ان يساهم في تنمية موارد الجهة وتوجيه مقدراتها لما فيه خير لسكانها.
وسط المقهى في مدينة سيدي بوزيد جلس نجم الدين الى اصدقائه لتبدأ رحلة النبش في ذكريات وصور ايام الثورة، حينها كان يطمح الى الكثير لكن الامور سارت نحو اغراق البلاد في صراعات ايديولوجية وسياسية ضيقة خذلت احلامه واحلام من رافقوه الاحتجاجات من اجل تغيير واقع الجهة.
صراعات يرى نجم الدين انها اضرت بالاستقرار الامني وساهمت في تأزيم الوضع الاقتصادي.
وسط مدينة سيدي بوزيد لازالت صورة محمد البوعزيزي منقوشة على واجهة المركز البريدي وعلى بعد امتار منها نصب لعربته التي كانت مورد رزقه في بيع الخضار في سوق صغير وسط المدينة.
علي هاني.. المسيرة مستمرة 
هناك بدت المواقف مختلفة لشباب مازال معدما يعاني البطالة.
علي ذاك الذي دون كل خطوات الحراك الثوري انخرط اليوم في التدوين يكشف ملفات فساد .. قدم نفسه لنا كمدون استقصائي فهو الذي يعري احيانا ملفات فاسدين في الجهة يستعملون نفوذهم وهو الذي يحتفظ في هاتفه المحمول بصور وفيديوهات لشباب شاركوا في الاحتجاجات بعضهم مات بحرا وبعضهم وصل السواحل الاوروبية وبعضهم الاخر مازال يتحسس طريقه طمعا في التشغيل.
انصهر علي هاني منذ سنوات طويلة في التدوين يقول بمرارة من لم يجد طريقه الى الهدوء بعد:"مارست مئات المهن منذ نعومة اضافري ،عملت مساعد بنّاء و نادل مقهى وراعي أغنام وإبل وبقر، عملت حفارا للقبور وحمّالا في الأسواق وبائع فحم.
يمكنني أن أروي تاريخ مسارات طفل كان يتجمد من برد الخامسة صباحا في أعنف الشتاءات ليلتقط حبة زيتون.. 
أو مراهق يمضي ساعات طويلة تحت شمس أوت/اغسطس ليكسب دنانير قليلة يشتري بها سرواله الوحيد لعام كامل..
تلك هي المحطات التي مر بها قطار الثورة ووضعناها في رفوف الذاكرة الخلفية وفناجين القهوة الباردة، والوسائد المبللة بالعرق والدموع، والدروب المنسية وإن مضينا في خفة كالسراب في هذا الوطن كي لا نزعج العالم فإن لنا فيه ما نملك...أرضه وسماؤه...و لن يفهموا معنى ذلك حتما.." 
بدا علي هاني اكثر حرقة من اصدقائه الاخرين فقد اودع الفتى تحت الثرى كثيرا من اصدقائه من شباب الجهة ممن ابتلعتهم مياه المحيط في رحلة موت غير آمنة.
مروان غربي.. صديق البوعزيزي المحبط
بعد عشرية من الثورة يبدو حال مروان غربي افضل من حال زملائه العاطلين عن العمل غير انه مثلهم مصاب بالاحباط اذ لم يتحقق لمروان ماكان يصبو اليه، الشاب الثلاثيني كان يبلغ من العمر عشرين عاما منذ عشر سنوات، رابط مروان كغيره من شباب حي النور داخل مدينة سيدي بوزيد يطالبون بالعدالة الاجتماعية لكنه اليوم يعمل وفق آلية الحضائر بمقابل مادي لا يفي متطلباته ومتطلبات العائلة في وقت تضاعفت فيه اسعار المواد الاولية مرات ومرات.
كان مروان غربي صديقا لمحمد بوعزيزي، قريبا منه يسكن معه الحي نفسه.. مروان هو الاخر يعتبر ان من يسيؤن الى الثورة اليوم هم اكثرالمستفيدين منها.. من ينكرون فضل الثورة عليهم وحدهم من استفادوا و انصهروا في العمل السياسي و تحاربوا ليقبضوا ثمن نضال لم يخوضوا غماره.
بل يرى مروان أن من خاضوا معركة الحراك الثوري غير موجودين اليوم على الساحة فمنهم من اختار الرحيل و منهم من مات ومنهم من مازال يربي الامل داخل مناطق الوسط الغربي يراقب عن بعد ما يسميه مروان مهزلة النخبة السياسية التي خذلت احلامه واحلامهم .
 

مقالات ذات صلة

راشد الغنوشي ومتلازمة العبور من "الجماعة" إلى ...

27 فيفري 2021 16:11

بقلم بلال مبروك- لا شك، ان مشهد الرئيس التونسي قيس سعيد

عبد الحميد الجلاصي عن إقالة ألفة الحامدي: نصيبي من ...

22 فيفري 2021 11:24

عبد الحميد الجلاصي عن إقالة ألفة الحامدي: نصيبي من الحقيقة

زائر من الماضي .. البعيد!

16 فيفري 2021 01:01

بقلم: سليم بوخذير  رئيس يعيش في زمان غير زماننا.. في زمان بعيد عنا قرونا وراء ...

حديث الجمعة: ضرورة إبطال قانون الديكتاتورية في تجريم ...

05 فيفري 2021 14:42

 بقلم: فرحات عثمان - القانون عدد 52 المجرّم للزطلة هو من أفظع ما تركه نظام ...

المشيشي.. خطأ سعيد وخطيئة الغنوشي

05 فيفري 2021 11:01

بقلم:  نبيل الأحمدي   "وقفت الزنقة بالهارب" ، ليس أبلغ وأصدق من هذا المثل الشعبي ...

عبد الحميد الجلاصي: ليس انتصارا أن نكسب معركة الشارع ...

01 فيفري 2021 13:11

بقلم عبد الحميد الجلاصي- رغم كل شيء فان هناك الكثير مما يدعو الى الاعتزاز