30 نوفمبر 2020 13:30

زووم على الطفولة/ ملف الطفولة في تونس بين مطرقة التوظيف السياسي وسندان السلعنة

بقلم المختص في شؤون الطفولة أنيس بن عبد الله-
تعتبر الطفولة في معظم بلدان العالم شريحة عمرية تكتسي أبعادا  استراتيجية مهمة  و توليها الدول المتقدمة  كل الاهتمام والمتابعة باعتبارها أساس تقدمها و  أساس استثمارها في مواردها البشرية.
ويتزايد الاهتمام بهذه الشريحة من منطلق قدرتها الكبيرة على تمثل  ثقافة وقيم المجتمع وامكانياتها الخارقة على استيعاب المكتسبات  والتعلّمات الاساسية التي تؤهلها لرفع راية العلم والتقدم في المستقبل.
وتهتم الدول أيضا بتنمية الجوانب الاخلاقية والقيمية والإنسانية في أبنائها  كما تدعم انفتاح هذه الاجيال على مختلف ثقافات العالم ضمن مناهج موحدة ومدروسة و دقيقة تعكس استراتيجيات الدول وثباتها على مناهج ورؤى واضحة.
وللأسف فإن ملف الطفولة في بلادنا وعلى غرار سائر مقاربات العالم الثالث، تتناول ملف الطفولة على أساس سطحي وفي مستوى لا يتعدى الشعارات و القرارات التي تخط وتترك على رفوف بالية، نوقع على اتفاقيات و نعد ترسانة من الآليات والقوانين التي غالبا ما يلتهمها الصدأ ولا تجد الإمكانيات ولا الآليات الكفيلة بتطبيقها على أرض الواقع.
كما تتغير برامجنا وتوجهاتنا في هذا القطاع بتغير المسؤولين وحسب أهوائهم  ومزاجهم فيسحب هذا الملف ويحفظ آخر حسب السياقات السياسوية، وهذا ليس بالأمر  الغريب في تاريخ بلادنا  ففي كل مرحلة  يتمعش السياسيون من  ملف معين حسب طبيعة المصالح. 
فمن فترة الحشد الشعبوي لفئة الشباب لأسباب انتخابية في الثمانينات والتسعينات لحملة الطفولة وحقوق الطفل ومندوب حماية الطفولة ومجلة حقوق الطفل فيما بعد والى غاية اليوم، والتي تطغى عليها ملفات المرأة وحقوق المرأة والمساواة والعنف ضد المرأة ...   "وكل وقت ووقتو نجبدو ملف نخبيو الآخر"  ... مشاريع وبرامج وندوات واتفاقيات وقوانين تصدع الرؤوس وأموال طائلة تهدر...
لكن الواقع لا يتغير، بل ان التشخيص الواقعي والميداني لا يعكس تطورا وانما انحدارا يؤكده ارتفاع نسب الانقطاع المدرسي وانهيار المنظومة التربوية والقيمية وارتفاع نسب الانحراف والاجرام وارتفاع نسب العنوسة والطلاق وارتفاع نسب استغلال وتشغيل الاطفال، بالإضافة لضغوطات الزمن المدرسي وحرمان الطفل من فرص الترفيه والاهتمام بالأبعاد الفنية والرياضة والإبداعية والنفسية الاجتماعية  في بناء شخصيته.
فما فائدة كل برامجنا و قراراتنا إن لم تكن لها انعكاسات إيجابية ملموسة على أرض الواقع؟
الاكيد ان الدولة التونسية ارتكبت العديد من الاخطاء الاستراتيجية ولا أعلم إن كنا قادرين اليوم على رفع كل أضرار ونتائج ما فات، أولها، ذلك المتعلق بالتفويت الكلي في قطاع التربية ما قبل المدرسية بدعوى الخوصصة وتشغيل أصحاب الشهائد العليا، تلك الموجة التي طغت في التسعينات ووفق أسس غير مدروسة بوضع كراسات شروط تسمح لمن لا يمتلكون حتى شهادة الباكالوريا بتربية فئة حساسة وهشة وبتمكين أصحاب الشهائد مهما كانت اختصاصاتهم من ادارة وتسيير مؤسسة تنشيطية تربوية على غرار مؤسسات المحاضن المدرسية التي انتشرت انتشار الهشيم في النار وقد كان هدف الوزارات حينها ارضاء السلطة الحاكمة  بتشغيل اكثر ما يمكن من اصحاب الشهائد العليا.
وقد تعمقت أزمة الطفولة أيضا بعدم وجود رؤية موحدة  للدولة في هذا المجال، فقطاع الطفولة المبكرة اليوم قطاع متشرذم، جزء منه يتبع وزارة المرأة والأسرة وكبار السن ممثلا في رياض الأطفال وجزء آخر يتبع وزارة التربية وذلك من خلال الاقسام التحضيرية وجزء اخير يتبع وزارة الشؤون الدينية وتمثله الكتاتيب.
فكيف يمكن لثلاث وزارات على الاقل أن تشرف على شريحة عمرية واحدة بما يتطلبه ذلك من تباين في المناهج  والتوجهات والأهداف والهويات المتشرذمة للطفل التونسي؟
يعد قطاع الطفولة في تونس قطاعا غير مستقل وغير ثابت حتى في انتمائه التاريخي  للوزارات فمن وزارة الشباب والطفولة الى وزارة المرأة والأسرة و المسنين الى كتابة دولة  لوزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن وصولا الى وزارة المرأة والأسرة وكبار السن وهذه التسمية الاخيرة التي تم التخلي فيها نهائيا على ذكر القطاع وحذف الطفولة من تسمية الوزارة.
والسؤال الجوهري هنا، أي هوية للطفل التونسي اليوم؟ وماهي ملامحه ؟ هل هو مدرج ضمن غايات الدولة ؟؟؟؟ ... 
برامج ومناهج مسقطة ومشتتة ومختلفة بل وأحيانا متضاربة فضلا عن غياب واضح لوثائق ومضامين عمل موحدة اضافة الى  غياب ادلة إجرائية واضحة وموحدة تسهل على الاقل عمل غير المختصين وتلزمهم بتطبيقها في غياب يكاد يكون مخيفا للمراقبة والمتابعة الدائمة لما يقومون به مع الاطفال.
ان السوق المسعورة اليوم التي تحكم قطاع الطفولة من خلال مشاريع يحكمها منطق الربح والخسارة وقوانين السوق بعيدا عن الابعاد التربوية والقيم المواطنية ليستحيل الطفل فيها الى سلعة خاضعة لمنطق – السوق والدلال -  ينضاف لذلك عدم وعي الولي بأهمية المرحلة وبخصوصيتها حيث يزج بطفله في هاته السوق وفقا لقاعدة العرض والطلب والتي تتحكم في جودة الخدمات من عدمها.
بل و تستجيب  لطلب الولي وليس للحاجيات التربوية الحقيقية للأطفال وللضوابط والمناهج الرسمية، وأن يطلب الولي أن يدرس طفله  ويقرأ ويكتب في سن الثالثة فله ذلك طالما أنه يدفع مقابل ذلك، وإن التزمت المؤسسة  ببرامج رسمية وباحترام المناهج  والتدرج البيداغوجي واهتمت بمجالات التنشيط وبمتطلبات النمو الاخرى  فسيفقد التاجر بضاعته.. صورة مؤلمة وليست بعامة ولكنها موجودة و بقوة .
وتتعمق المعضلة  بنقص آليات الرقابة ومحدودية وسائل الردع القانونية حيث لا يتجاوز عدد المتفقدين الخمسين (50) متفقدا بكامل تراب الجمهورية يشرفون على اكثر من 8000 مؤسسة في القطاعين العمومي والخاص.
وإضافة الى هذه الوضعية الخطيرة فان تلكؤ السلط وخاصة الجهوية منها  في تنفيذ مقترحات غلق المؤسسات الفوضوية يزيد الامر تعقيدا سيّما مع محدودية مجال تدخل المتفقد الذي يمنعه القانون من ولوج محلات فوضوية لا تحمل لافتة اشهارية لعدم تمتعه بصفة الضابطة العدلية مع صعوبة مواكبة مندوبي حماية الطفولة لكل الاشعارات المتعلقة بالتدخل في فضاءات فوضوية تشكل خطرا على صحة وسلامة الاطفال بسب تعدد مشاغلهم والتزاماتهم المهنية وقلة اعدادهم، فضلا على تعطل الية اللجان الجهوية لمراقبة الفضاءات الفوضوية المطالبة قانونيا بمتابعة و غلق هذه النوعية من الفضاءات. 
والأمر هنا لا يقتصر فقط على مؤسسات ما قبل الدراسة بل يشمل الفئات العمرية الاكبر سنا، فما نشهده اليوم من تهافت على خدمات  مؤسسات المحاضن المدرسية والتي هي بالأساس مؤسسات للتنشيط والرعاية وفق ما تحدده كراسات الشروط يثير لدينا كل الاستغراب وشعرنا بالخوف على مستقبل الاجيال القادمة حيث تحولت الى مؤسسات مدرسية بضغط مجتمعي فرضته صعوبات الحياة وتخلي العائلة على جانب كبير من ادوارها ليقتصر فيها التنشيط على فضاء وبعض التجهيزات وبعض الأنشطة التربوية التي تنجز مناسبتيا في زيارات سلك التفقد.. اما حقيقة الامر فان هذه المؤسسات اصبحت فضاءات لدروس التدارك التي يتهافت على تلبيتها الجميع استجابة  لطلبات الاولياء وبغض النظر على  ابعادها التربوية والبيداغوجية.
اما بالنسبة لمؤسسات التنشيط التربوي والرعاية فهي كذلك لم تعد تستجيب لحاجيات الاطفال بما يتوفر لديها بنية تحتية وموارد مادية وبشرية ولوجستية، انها اليوم  بحاجة ماسة لإعادة تاهيلها وتوفير الاليات والبرامج  والخدمات الجديدة التي يمكن ان تعيد اليها دورها ومكانتها المجتمعية.
لا أحد يشك اليوم في أن المنظومة التربوية في تونس ذاهبة نحو الانهيار  بل واصبحت خاضعة لقاعدة  العرض والطلب بمعناها التجاري الربحي، إذ  انهارت القيم والمبادئ وحتى المضامين التربوية القائمة في مجملها على التلقين والتي لا تؤمن بعقل الفرد الحر والناقد، بل هي بصدد  انتاج "ببغاوات" أو "اطفال آليين" غير قادرين على ابداع فكرة أو حتى التعبير بلغتهم الام أو بلغة اخرى حتى في مستويات تعليمية متقدمة.
ان الأمر يدعو للفزع وضرورة التعجيل بالمراجعة، مراجعة هذه المنظومة التربوية برمتها وكذلك البرامج والمضامين التربوية ومضامين التكوين الاساسي للمربين والإسراع بوضع رؤية استراتيجية شاملة و تحديد ملامح وهوية الطفل التونسي وتطوير وتعصير المناهج والاهتمام ببناء عقل مفكر وناقد ومنتج  ومبدع.
ونعتقد هنا بان الوقت ملائم للمراجعة ووضع الاستراتيجيات اكثر من اي وقت مضى، لأننا اصبحنا على شفى الهوة، و ان اعادة النظر  فيما انجزناه و القضاء على كل مظاهر الفوضى والعشوائية وتتنظيم هذا القطاع بمراجعة كراسات شروطه وبتأهيل وتكوين منتسبيه وبضبط آليات متابعة تطبيق البرامج الرسمية  التي يجب أن تكون واضحة وعلمية ومتناغمة وكنس كل المتطفلين على هذا القطاع الإستراتيجي الحساس  تعتبر حجر الاساس بالنسبة لوزارة الاشراف من اجل مشروع مجتمعي جديد يقوم على اعلاء الطفل واعتبار قطاع الطفولة المحرك الاساسي لكل تغيير و نمو وتنمية و تطور.
وجب أن تفتح  عديد الحضائر الفكرية و أن ينطلق الاشتغال على كل هذه المسائل لأن الوقت يمر  وبدأت مظاهر الانهيار المجتمعي تحاصرنا، ولا بد من وقفة حازمة للمنظرين والمفكرين وكذلك السياسيين لإيقاف هذا النزيف والانطلاق في بناء واقع جديد يشمل الاستراتيجيات والتوجهات والمؤسسات والقوانين والآليات.
 

مقالات ذات صلة

مشيشي يُذيب الجليد أم يدفع بسعيد إلى المسؤولية الكبرى؟

10 افريل 2021 17:50

  لا يخلو القرار الذي أعلنه رئيس الحكومة هشام مشيشي المتعلق بتعديل توقيت فرض حظر ...

عاجل / مشيشي يعلن عن تعديل توقيت حظر الجولان

10 افريل 2021 13:15

 حقائق أون لاين- أعلن رئيس الحكومة هشام مشيشي منذ قليل عن التمديد في فترة حظر ...

سعيّد للسيسي: الأمن القومي لمصر من أمن تونس.. وموقف مصر ...

10 افريل 2021 11:44

مروى الدريدي- قال رئيس الجمهورية قيس سعيد، في

107 سيارة وظيفية لوزارة أملاك الدولة.. وهذه هي كلفة ...

10 افريل 2021 09:34

حقائق أون لاين- تملك وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية

نقابة الصحفيين تدين الاعتداء على الزميلة يسرى ...

09 افريل 2021 21:57

حقائق أون لاين- أدانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، "الاعتداء

أرقام عن الهجرة غير النظامية في تونس سنة 2020

09 افريل 2021 11:25

يسرى الشيخاوي-  أظهرت أرقام سنة 2020 زيادة كبيرة في اعداد الهجرة غير النظامية ...