14 نوفمبر 2020 19:10

"بريبري".. في معنى أن تُقاوم

 يسرى الشيخاوي-

قد يراها البعض ألوانا تغري العين ولكنها حيوات بفصول كثيرة.. قد يرونها رموزا وأشكالا ولكنها مسارات وخيارات.. قد يرونها أقمشة وخيوطا ولكنها ضحكات وعبرات وصرخات وآمال وأحلام .. قد يرونها قطع ملابس تسر الانظار ولكنها عنوان للمقاومة ورديف للبقاء.

هي "بريبري" ماركة الملابس التي أطلقتها مريم البريبري وطرزت تفاصيلها بكل ما اوتيت من إصرار وشغف ومحبة، هي ليست أقمصة وبلوزات وفساتين وأوشحة فحسب بل هي قصّة كفاح ومقاومة خاضتها صانعتها حينما قررت أن تخوض معركتها بنفسها.

معركة ضد الاستغلال وضد الفساد وضد انتهاك حقوق العمال، سطّرت تفاصيلها وهي تخلق الفكرة وراء الفكرة وتحوّل الأحلام إلى تصاميم تستلهم اختلافها من التراث من رحم التراث الأمازيغي ومن عناق الألوان.

تصميماتها قد تبدو للبعض قطع ملابس جميلة تليق بكل المناسبات، ولكنها في الواقع أفكار تحررها من مخيلتها وتدسّها في ثنايا الأقمشة وتعمّد بها الخيوط فإذ لبستها يمرّ امامك شريط من الحكايات.

حكايا كثيرة تختبئ في زوايا الملابس التي يمتد أصلها في التراث ويعانق فرعها الموضة، حكايا عن الأمازيغ وعن النساء ونضالاتهن وعن الجدّات وخرافات الطفولة والمسيرات والمظاهرات والحرية في كل تجلياتها.

بشعرها الغجري المجنون تماما كأفكارها، وأحمر شفاهها البنفسجي وابتسامتها التي سرقت منها ألوان تصميماتها ونظراتها المدجّجة بالأحاديث وسيل من الجلد والمقاومة، تربّت على خيط برتقالي اللون كزهرة الغروب وتدنيه من ثقب ابرة يقبله ثم يجذبه إليه ليلتقيا عند أناملها وهي تترك أثرها على زاوية في قطعة ملابس.

وفيما تتراقص عينيك على إيقاع الإبرة وهي تغازل القماش، تتعثّر بذكرى رحيل حلّ حينما اصطبغ الأثير بألوان الشمس النارية وسرت الحمرة في خدود الكون حينما أعلن ميلاد لحظة جديدة على أعتاب قبلة الوداع، لحظة لا معنى فيها للزمان ولا المكان لا شيء حقيقي فيها إلا الصراخ الصامت.

في حضرة "بريبري" تُبعث الذكريات المقبورة حيّة من جديد، ويقفز الوجع من بين ثقوب العاطفة، وعلى نسق الألوان التي تمتد امام أنظارك تتواتر الحكايات، لكل لون ذكراه ومع كل لون جديد يتلاشى الوجع وتحل ابتسامة مبهمة.

الملابس الملوّنة تتبوأ ركنا هادئا من مكان صاخب تزين وتعانق نباتات معلقة وكأن السماء أمطرتها، والأوراق الخضراء تغويك بالنظر إليها وتبعث فيك نشوة تمسح أثر وجع الذكريات.

وأنت تتسلق النباتات بعينيك تتعثر بالسماء فتبتسم لكل الأرواح التي غادرت هذه الأرض وسافرت بعيدا حيث لا نفاق ولا كذب ولا وصايا ولا ناطق رسمي باسم الرب ولا ظلم ولا قهر.

بعض اللحظات لا معنى لها إن لم تغمض عينيك وتحضن ابتسامات الراحلين، لا تعلم كم لبثت على تلك الحالة ولكنك تفتح عينيك على ابتسامة " مريم" التي كلّما التقيتَها تبدّت لك معاني المقاومة.

وإن تسلل إليك التعب وأثقلتك أوجاع الحياة، فإن كل ذلك ينتفي في حضرة قلوب نابضة بالحياة عزفت على إيقاع الفرح بمجموعة بريبري الشتوية، هي المقاومة في أسمى تجلياتها، هو الانتصار المتجدّد على تخوم الصعوبات، هي أشياء كثيرة لا تشترى..

*الصورة من صفحة بريبري 

 

مقالات ذات صلة

الدولاب: نحن لسنا آلة تديرها الدّواب

24 نوفمبر 2020 09:59

الدولاب: نحن لسنا آلة تديرها الدّواب

هذه أنا.. نص يحتمل أكثر من عنوان

17 نوفمبر 2020 18:30

يسرى الشيخاوي- دائما أجدني عاجزة عن خط بداية نص أكتبه، في الحقيقة أنا لا أعلن ...

ابراهيم العويساوي من "ارهابي غير ربع" ...

01 نوفمبر 2020 19:48

بقلم مبروكة خذير- جاءت الفاجعة مرة اخرى تخبرنا ان شابا تونسيا آخر متهم بتنفيذ ...

حركة النهضة... المِرْجَل!

01 نوفمبر 2020 11:33

-محمد علي الصغير ماذا يجري داخل حركة النهضة ؟ هل فعلا ما يحدث من شروخات

فرنسا هي الطاعون والطاعون فرنسا (محمود درويش: مع تغيير ...

24 اكتوبر 2020 12:45

 بقلم: سمير جراي جريمة قتل أستاذ التاريخ الفرنسي صامويل باتي الإرهابية كشفت ...

10 ملاحظات أساسية عن حوار المشيشي

19 اكتوبر 2020 11:31

كتب الأستاذ بمعهد الصحافة أمين بن مسعود- عقب متابعة شبه دقيقة لحوار السيد رئيس ...