01 نوفمبر 2020 19:48

ابراهيم العويساوي من "ارهابي غير ربع" إلى"ارهابي بالكامل.. ارهابي بدوام كامل"

 بقلم مبروكة خذير-

جاءت الفاجعة مرة اخرى تخبرنا ان شابا تونسيا آخر متهم بتنفيذ هجوم ارهابي ليتأكد لدينا مرة اخرى ان بلادنا على صغرها افلحت في تصدير ارواح متطرفة تعبث بحياة الآخرين، تذبحهم على الملأ او تفرغ في اجسادهم جام طلقاتها او تدهسهم دون هوادة...

تعاقبت المجازر والمرتكب دائما تونسي وتجدنا نحن معشر الصحافيين نهرع في كل مرة الى عائلات الضحايا نستجديهم معلومة قد تفيدنا لنفهم ما الذي يمكن ان يحول ذاتا بشرية الى مصاص للدماء يرتكب الجريمة باسم الدين الاسلامي؟

تنتصب في كل مرة وسائل اعلامنا المحلة و تتجه انظار الاعلام الاجنبي تبحث عن تفسير قد لا يأتي ليبقى الملف مفتوحا في انتظار جريمة اخرى اشنع من سابقاتها.

نبدا عملية التحليل والغوص في الاسباب فنعجز امام الف سؤال وتضيع في اذهاننا خيوط القضية ونتوه وسط دوامة لعل انسب الطرق لفك رموزها هم المنفذون المتهمون بالإرهاب أنفسهم.

تمنيت في اكثر من مناسبة لو يتاح لي كصحافية ان اجلس وجها لوجه مع الارهابي لاساله لماذا فعلت هكذا؟ ما هي نقطة التحول التي تجعل منك شخصا يقتل دون رحمة؟ من وراءك وما هي اسلحتهم؟ كيف وصلت بهم ومعهم الى مرحلة التطرف دون رجوع؟

استفهامات كثيرة نظرت حولي فرايتها تتجسد في عمل مسرحي فني يحاكي الواقع حد التماهي.. نظرت حولي وعدت بالذاكرة قليلا الى الوراء فوجدتني جالسة امام منفذ هجوم نيس الاخير، وجدتني امامه وجها لوجه ذات يوم من سنوات قليلة مضت.

بعد تفكير، عادت بي الذاكرة الى الوراء قليلا وجدتني جالسة اليهم جميعا، اذكر اني جلست الى ابراهيم العويساوي المتهم بتنفيذ هجوم نيس، وجدتني في حوار مباشر مع انيس العامري الذي روع قلب اوروبا النابض في برلين سنة 2016 حين استفاقت المانيا على فاجعة دهس راح ضحيتها 12 ضحية واكثر من سبعين جريحا في عيد الميلاد... عادت بي الاحداث قليلا الى الوراء فوجدتني امام محمد لحويج بوهلال اصيل مدينة مساكن الذي ارتكب مجزرة ذهب ضحيتها 84 شخصا في مدينة نيس الفرنسية عام 2016...

كيف فاتني اني التقيت كل هؤلاء وجها لوجه في حوار افتراضي؟ كيف فاتنا جميعا ان نفهم صرخة المثقف فينا في تلك اللحظة لعلنا انقذنا بعضهم او كلهم؟ كيف سهونا جميعا، مجتمعا ودولة على تلك الرسالة التي صدحت بها اركان مسارحنا تنبؤنا بان الخطر داهم ان نحن واصلنا نومتنا وتغافلنا عن العلاج المناسب؟ كيف؟

ما اصدق الثقافة والفن وما اكذب الواقع... ما اتعسنا ونحن نهرع لان نسكت الفن والثقافة توقيا من الجائحة في حين نترك كل الابواب الاخرى مشرعة لكل وسائل التطرف...

عدت قليلا الى الوراء، ذات مساء على ركح المسرح الاثري بقرطاج، حينها كان الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان يحدثنا عن تفاصيل وحيثيات كل ما حصل لنا وللعالم من مجازردامية.

نعم لقد تابعنا جميعا تفاصيل السيناريو في مسرحية الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان "ارهابي غير ربع" دون وعي منا بأنها انذار وبعده فطوفان ان لم نستوعب الدرس الفني...

تجبرت شخصيات رؤوف بن يغلان في مسرحيته ارهابي غير ربع غادرنا المسرح مسكونين بالسجال الذي دار بينه وبين شخصية الشاب الذي كاد ان يتحول الى مقاتل... وترجلت الشخصية مهزومة من الركح لترتكب ما ترتكبه اليوم من عمليات ارهابية غاشمة.

لعل اكبر مشاكلنا في هذا البلد اننا لا نتمعن رسائل المثقفين الذين حكمنا عليهم ان يلزموا بيوتهم ...لعل اكبر معاصينا اننا اعلامنا فارغ مفرغ من فنونهم ورؤاهم ورسائلهم فيما يرتع في منابر تلفزاتنا شخصيات تافهة الخطاب باهتة المعاني.

في مسرحية المسرحي الفنان رؤوف بن يغلان "ارهابي غير ربع" سرد لما يحصل اليوم بمقاربة فنية ثقافية، لماذا سلمتم الارهابي غير ربع و دفعتم به الى مقدمة صفوف الارهابيين... 

في المسرحية جدال وسجال بين بطل المسرحية الذي لا يعدو ان يكون العويساوي المتهم في هجوم نيس.

كل ما في المسرحية يحيل الى السيناريو الحقيقي الذي تكهن به بن يغلان  المثقف بقوة بحثه اثناء تحضيره لعمله الفني  بتنقله بين الارياف و الاحياء الشعبية .

اذكر اني رافقت رؤوف بن يغلان متنقلا من احياء المنيهلة هنا وسط العاصمة تونس الى ارياف سيدي بوزيد: كان يبحث بين ثنايا الشباب المعدم المفقر ماديا و ثقافيا عن تلابيب القصة اذكر ذلك النقاش في احد المقاهي الثقافية في مدينة سيدي بوزيد ، هناك حيث حضر الفنان الباحث و غابت الدولة .. لقوة البحث عن الحقيقة الكامنة وراء دمغجة شبابنا فهم الفنان المثقف المسرحي لب القضية  وجهلت الدولة بتفاصيل مسار التطرف الذي يلتف حول رقاب شبابنا ..

لازلت اعود الى ذلك الفصل من المسرحية الذي يناقش فيه المسرحي الشاب الارهابي غير ربع، يجادله لعله يثنيه عن ارتكاب الخطيئة الكبرى..

في احد الفصول ظل الفنان رؤوف بن يغلان يحدث الشاب الذي تفصله خطوات قليلة لحمل السلاح... بطل المسرحية ذلك الشاب كان يستغرب كيف ان الارهابيين، على قلة عددهم، قادرون على استقطابه فيما تعجز دولة بكل مؤسساتها واداراتها عن اقناعه بالبقاء والعزوف عن الرحيل خلسة للانضواء تحت جنح الجريمة بكل اصنافها...

ليس ابراهيم العويساوي الا امتدادا لتلك الشخصية المتذبذبة فوق الركح، تلك الشخصية التي تمردت على الواقع المرير الذي تعيشه فغلبها الفكر المتطرف بعد ان كفرت بدولة كاملة..

ليس ابراهيم العويساوي  سوى ذلك البطل في مسرحية "ارهابي غير ربع" ذاك  الذي قال بصريح العبارة في المسرحية: سيحصلون لي على جواز سفر، وسيساعدونني على الرحيل سأتخلص من حياة الذل هنا وسأصل الى اوروبا هناك بفضلهم وسأفعل ما يأمرونني به حتى لو طلبوا مني القتل..

ما اقوى قريحة الفنان وما اوسع تفكيره وما ابعد نظره، اليس كل ما يحصل اليوم من احداث تنقلها وسائل اعلامنا إلا فصولا من تلك المسرحية هربت من النص لتستقر في الواقع بكل تفاصيلها..

الم يكن ذاك المثقف بعد طول بحث وعناء الحوار مع شباب تونس في كل مكان يحذرنا من الآتي لو نحن تركنا الامور عالقة وادرنا ظهورنا لمشاغل الشباب وتنكرنا له.

تعود بي الاحداث الان الى تلك الليلة وانا اقف مشدوهة لحوار طويل وشائك بين مخرج العمل المسرحي وشخصية المسرحية التي تحاول ان تلفت انظارنا الى مكامن الخلل من فقر مادي وفكري، من فساد انظمة، من غياب للتاطير وتغييب ممنهج لكل وسائل النقاش... تلك الشخصية اليائسة البائسة الكئيبة المتروكة لقدرها فوق الركح تحولت اليوم لإرهابي كامل، ارهابي بدوام كامل يقطع البحار ليصل الى وجهة غير معلومة فتتلقفه كل الافكار الرجعية المتطرفة وتتفرد به لتصنع منه ارهابيا يذبح من الوريد الى الوريد دون شفقة ولا رحمة.

ما ابلغ كل فصول المسرحية و ما اتعسنا بأمة لا تقرا و لا تستنير من مسرح و لا تتأدب بأدب و لا تستمتع بالسينما و لا تشاهد في منابرها الاعلامية سوى خطابا سطحيا لا يزيد شبابنا الا بعدا عن كينونة الانسان و رحابة فكره و سماحة شخصه.

المسار الذي حصل لإبراهيم عويساوي هو ذاته المسار الذي مر به المتهم الان بتنفيذ الهجوم في مدينة نيس الفرنسية... اختلط المسرح بالواقع لكن المسرح استبق الكارثة فلم نكن نعي عمق الرسالة.

تعود بي الان الذاكرة الى فصول المسرحية فأدرك التصاق كل احداثها بالواقع و كان ذلك الارهابي غير ربع يحدثني الان و يجلس امامي ليشرح كم كنا نحن جميعا متورطين في الجريمة.

ولعل الفرق الوحيد بين خيال المسرحي في ذلك العهد وعمق الواقع الذي نعيش يكمن في تفصيل واحد لا غير ان الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان انقذ بطله على الركح فيما عجزت الدولة على ان تنقذ شابا من براثن التطرف في الواقع الذي نعيش اليوم..

من يتحمل مسؤولية ما حصل في نيس ليس ابراهيم العويساوي فحسب بل نحن جميعا متورطون،  بل انت ايها المجتمع الذي تخلى عنه و لم يسمعه، و لم يفهمه، هذا المجتمع الذي في دولة ثقافتها مشلولة، لا وزير ثقافة لها، في دولة اول قرارتها لمواجهة الجائحة ايقاف التظاهرات الثقافية، في دولة لا تحترم الفن والثقافة والمعرفة، يصعب عليهم ان يفهموا الرسالة، في دولة مثقفوها مغيبون عن المشهد في دولة مثل هذه لا يمكن ان نستخلص الدرس من مسرحية بحجم "ارهابي غير ربع".

مسرحية لو تمعنا فيها لانقذنا العالم وانقذنا ابراهيم العويساوي وأنيس العامري ومحمد الحويج بوهلال وغيرهم... لو استوعبنا الدرس لكنا تخلصنا اليوم من وصم "التونسي الارهابي بالكامل".

اين هو رؤوف بن يغلان وغيره من مثقفينا ببعد نظرهم، اين كل هؤلاء الذين يجب ان يكونوا في صدارة المشهد لعلهم يمنعون كل ما يحصل من تطرف..

هذه الدولة المارقة عن الفن الكافرة بمثقفيها، ستصدر لهم و ستصنع لنا  جميعا مزيدا من قنابل الموت الموقوتة... سنعيش حتما مزيدا من الدموية ما دام المثقف غائبا فيها.

لقد نبهكم الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان ومن انذر فقد أعذر...

مقالات ذات صلة

الدولاب: نحن لسنا آلة تديرها الدّواب

24 نوفمبر 2020 09:59

الدولاب: نحن لسنا آلة تديرها الدّواب

هذه أنا.. نص يحتمل أكثر من عنوان

17 نوفمبر 2020 18:30

يسرى الشيخاوي- دائما أجدني عاجزة عن خط بداية نص أكتبه، في الحقيقة أنا لا أعلن ...

"بريبري".. في معنى أن تُقاوم

14 نوفمبر 2020 19:10

 يسرى الشيخاوي- "بريبري".. في معنى أن تُقاوم

حركة النهضة... المِرْجَل!

01 نوفمبر 2020 11:33

-محمد علي الصغير ماذا يجري داخل حركة النهضة ؟ هل فعلا ما يحدث من شروخات

فرنسا هي الطاعون والطاعون فرنسا (محمود درويش: مع تغيير ...

24 اكتوبر 2020 12:45

 بقلم: سمير جراي جريمة قتل أستاذ التاريخ الفرنسي صامويل باتي الإرهابية كشفت ...

10 ملاحظات أساسية عن حوار المشيشي

19 اكتوبر 2020 11:31

كتب الأستاذ بمعهد الصحافة أمين بن مسعود- عقب متابعة شبه دقيقة لحوار السيد رئيس ...