09 اكتوبر 2020 22:50

ذرّ الرّماد على كورونا..

يسرى الشيخاوي-

السكون يملأ تفاصيل الغرفة لا يقطعه إلا صوت الحاسوب وهو يخلد الى الراحة بعد ان أضناه وقع أصابعي على مفاتيحه وأنا ألاحق أخبار كورونا ساعات العمل عن بعد، وها إنّي أقف أمام المرآة أتأمل تقاسيم وجهي.

ملامحي تبدو شاحبة منطفئة، أمرر يدي على وجه المرآة  لاعتقادي بأن غبار عالقا عليها انعكس على وجهي ولكن ظل وجهي شاحبا، أشرّع ما تبقى من النافذة وأعاود النظر في المرآة والشحوب مازال يلازمني وأنير الغرفة ولا شيء يتغير.
سابقا، قبل أن تحل كورونا، كنت أمرر أحمر الشفاه على شفتي فتشرق أساريري وكأن وجهي لم يكن يوما شاحبا، ولكنني قطعت مع هذه العادة منذ مدة لم يعد أحمر الشفاه يعدّل مزاجي.
الحقيقة، لا معنى لأحمر الشفاه والكمامة تئد ألقه، ثم إنني أبدو شبيهة بشخصيات أفلام الرعب حينما تبعثر قطعة القماش زينة شفتي فيجول أحمر الشفاه في المسافة الممتدة بين وجنتي وأنفي وأسفل ذقني.
أحمر الشفاه يغازلني ولكنّني أعرض عنه وأرتب خصلات شعري المبعثرة وأحجب نصف وجهي بالكمامة وأبتسم مرات ومرات وترتسم الابتسامات في عيني ولكنني لم أتعوّد على الأمر بعد، أنا معتادة على رؤية أسناني حينما أبتسم.
على غير العادة لم أدس أحمر الشفاه في حقيبتي لا حاجة لي به بعد اليوم فقد قتلت في كورونا الرغبة في التزيّن وربّما هي آثار الخريف في نفسي، ولم تعد قارورة العطر رفيقتي فقد استبدلتها بسائل التعقيم.
أرتّب قطعة القماش وأتصفح نظراتي قبل أن أقذف بعيني إلى الهاتف حيث تشير الساعة إلى الثانية والنصف بعد الزوال من يوم الأربعاء، أعانق حقيبتي السوداء وأحكم رباط حذائي كي لا اتعثر فيه وأغادر الغرفة.
المسافة الفاصلة بين غرفتي والباب الخارجي بدت لي طويلة جدا، والمسافة بين منزلنا والشارع الرئيسي بدت أطول بأضعاف مضاعفة والكمامة تخنقني ورباط الحذاء المحكم جدّا يؤلمني.
على قارعة الامل في العثور على سيارة تاكسي دون انتظار طويل، حاولت ان اتخلّص من بقايا الأرقام التي علقت بذهني عن إصابات كورونا والوفايات وبعض تفاصيل إجراءات الحد من انتشار الفيروس.
وعبثا أحاول فالمقاهي المتناثرة عن يميني وشمالي والمواطنون المتراصون على الكراسي والطابور الطويل جدّا أمام بائع أكلات خفيفة يغتال كل محاولاتي ويعيدني إلى دائرة التفكير الأولى.
فيما اجول بأنظاري بين المواطنين العزّل من كماماتهم والمسلحين بنظرات يحدجونني بها وكأنني كائن نزل للتو من الفضاء، لاحت لي نقطة الضوء الحمراء في سيارة تاكسي فرفعت يدي المثقلة بكآبة أخبار الكورونا التي أرقنها يوميا وانطلق فصل آخر من الحكاية.
بيمناي فتحتُ باب السيارة وحاولت قدر الإمكان ألا أستعمل يسراي وأوصدته -بلطف- بذات اليد واستقريت في الركن حذو الباب واستللت السائل المعقم من حقيبتي بشمالي وانبريت أفرك يدي ومقبض الباب، ويبدو أن الأمر لم يعجب سائق التاكسي الذي انبرى يحاضر عن كذبة كورونا.
في الواقع ليست المرة الأولى التي أسمع فيها مثل هذه "الموشّحات"، أحيانا اكتفي بهز رأسي وانا لا أعي أصلا أن كنت أهزّه إيجايا أو رفضا وحينا أجيب لأن ما يقال تجاوز كل حدود المنطق.
في الأثناء كنت أفكر في لقاء صديقتي "لمياء"، لم التقها منذ مدّة، وطيلة الطريق إليها كنت أفكر كيف سيكون اللقاء معها وكيف سأصافح ابتسامتها من وراء قطعة القماش وكيف أعانقها؟
إثر الموجة الأولى من الكورونا التقينا وتعانقنا، سألنا بعضنا البعض بسخرية هل نتعانق وفعلناها قبل الإجابة، لا أعلم كم لبثت وأنا أفكّر في اوّل لقاء معها وسط انتشار جنوني للفيروس وتبدّل محير للأعراض.
وكان اللقاء مع صديقتي على غير العادة، هي المرة الأولى التي لا أعانقها فيها ولا أمسك يديها وانا أعبر الشارع فأنا لا أجيد السير مع السيارات وتتداخل خطواتي وأكاد اتعثر وأنا أحاول العبور إلى الجانب الآخر من الطريق.
لا عناق ولا تقارب جسدي بالكاد نحاول ان نلتقط الحروف التي تاهت بين ثنايا الكمامة، ولكن اعيننا تبادلت الابتسامات وتبادلنا الحكايا والأسرار وضحكنا وتجهمنا وسخرنا من القدر والواقع حتى نزعنا الكمامات واحتست صديقتي قهوة واحتسيتُ مشروبا غازيا.
ومنذ أن نزعنا الكمامات لم نتوقف عن تعقيم أيادينا وتبادل الابتسامات قبل أن نحجب أسناننا من جديد، وفي الأثناء كانت عيناي تقعان على ممارسات وسلوكيات أخال للحظة أن كورونا تضحك منها.
وبعد هالة من الصفاء والمحبّة أحاطتني بها " لمياء"، أعانقها بعيناي وانا أغادر للقاء صديقة في منزلة الأم "رجاء" التي أشتاقها كثيرا، هي تسكن خارج حدود الوطن وانا أحن إلى حضنها كثيرا ولكنني لن أعانقها ولن تعانقني، مجرّد التفكير في الأمر يغرقني في الحزن.
للحظة نسيت حزني وانا أرى عربات المترو تغص بالمواطنين وبعضهم دون كمامات، حينها تذكّرت إجراءات رئاسة الحكومة التي لم تول أي اهتمام لقطاع النقل الذي يعدّ بؤرة للعدوى.
وفي الطريق إلى "رجاء"، تعترضني المقاهي المكتظة وأبحث عن التباعد ولا أجدها وأبحث عن ظلال الدولة ولا أجد أثرا، ولكنّني أصطدم بابتسامة رجاء ويتعثّر قلبي فتلتقطه بنظراتها الرؤومة.
في زخم الجائحة حضنتها دون لمس وربتت على كتفي من بعيد، صوتها كفيل بمواساة، أصغت إلي، حادثتها دون حواجز، رميتُ أمامها خيباتي وحماقاتي وضحكاتي القليلة وتخفّفت من حمل كثير.
في حضورها لا معنى للوقت، والزمن يسير على وقع صوتها الحنون وابتسامتها المليئة بالحياة، ملأت عيني من ابتساماتها وهي تزيح عنها الكمامة لتحتسي القهوة ومثلها فعلتُ، في الواقع لم أكن أرغب في القهوة ولكن أردتها ان تراني وأنا ابتسمي ملء فمي فرحا بها.
وفي منتصف اللقاء التحقت صديقة من طينتنا طيبة وتقاسمنا نفس الهواجس والآمال وحتى الخيبات، هي "ضحى" هادئة في صخب، لا تبتسم إلا نادرا وفي عينيها حديث كثير، وبين الحروف المرتسمة في عينيها كنت أسترق النظر إلى الشارع وإلى الزبائن في المقهى ألاحق إجراءات الوقاية من كورونا.
 كلمات كثيرة نثرناها على الطاولة في المقهى، أنا و"رجاء" و"ضحى" قبل أن نغادر وننواثل نثر الكلمات على الطريق في أنهج " لافايات" الجميلة حيث تطلّ الحياة من كل التفاصيل.
وسط البوح كنت أهرب من الواقع، أقنع نفسي أنه حلم وأنه بإمكاني أن أحضن " رجاء، ولكن حينما يستبد بي الاختناق الذي تخلفه الكمامة أعود إلى الواقع وابيتسم وأنا لا أعلم إن كانت عيني تشي بابتسامتي أم لا ولكن عزائي أنني أبستم من كل قلبي.
ولأن لكل بداية نهاية، كان لابد للقائنا أن ينتهي في ساعة ما لم أكن مهتمة لأعرفها، ولكني تركت "رجاء" بعد أن مططت كلمات الرحيل وتركتُ معها أمنيات ومحبات وأخذتُ أمانا وسلاما وتفاصيل مطرّزة بالحب وفتحتُ باب التاكسي ببمناي وعقمت شمالي بعد أن استقريت على المقعد.
وأنا أرتّب خطواتي، صدح صوت المذيع في الراديو يعلن عن حظر التجوّل من الثامنية ليلا إلى الخامسة صباحا، حينها تكلّم السائق وتساءل عن جدوى هذا الإجراء ووسائل النقل مكتظة بالمواطنين، حينها تذكرت أسطول الحافلات المهترئ ومواعيدها المارقة عن السياق.
هذه المرة لم أهز رأسي كثيرا، وتكلمت أكثر من العادة، ونفثت بعض الوجع وأنا أفكر في الأجساد المتراصة في الحافلة الأخيرة التي تغادر المحطة قبل موعد حظر التجوّل، وعندما حدثني السائق عن قريبه الذي مات بكورونا وعجز الدولة لأنه لم يجد سرير غضبت كثيرا وخانتني الكلمات فاكتفيت بابتلاع ريقي.
وحينما سأل "إلى أين نسير وأي قيمة لهذه الإجراءات وقطاع الصحة ينزلق نحو المجهول"، أجبتُ " يذرون الرماد على العيون.. لا بل يذرونه على كورونا" وأسلمتُ نفسي إلى صمت بلا نهاية وصدى صوتي يردّد "يذرّون الرماد على كورونا" 
 
 
 
 

مقالات ذات صلة

فرنسا هي الطاعون والطاعون فرنسا (محمود درويش: مع تغيير ...

24 اكتوبر 2020 12:45

 بقلم: سمير جراي جريمة قتل أستاذ التاريخ الفرنسي صامويل باتي الإرهابية كشفت ...

10 ملاحظات أساسية عن حوار المشيشي

19 اكتوبر 2020 11:31

كتب الأستاذ بمعهد الصحافة أمين بن مسعود- عقب متابعة شبه دقيقة لحوار السيد رئيس ...

الملْمَح المثالي لوزير الثقافة القادم

16 اكتوبر 2020 10:33

كتب الناقد أنور الشعافي- سمّ ما حدث في 2011 ما شئت فليس ذلك مُُهِمّا لأن الأهم هو أن ...

حراك التغيير يفجّر صراع الزعامة داخل النهضة

11 اكتوبر 2020 21:05

 بقلم: جيهان علوان كغيرها من الأحزاب السياسية الوازنة في البرلمان والفاعلة في ...

"سيب العروض".. "سيّب الثقافة"

04 اكتوبر 2020 16:49

 يسرى الشيخاوي-  "سيب العروض" وسم يقفز من بين التدوينات على موقع الفايسبوك يوشّح ...

لعنة ديونيزوس المُتوارَثة

02 اكتوبر 2020 11:52

لعنة ديونيزوس المُتوارَثة