12 سبتمبر 2020 20:20

حياة سلام.. حكاية فنّانة راقصت الألوان والموسيقى لتهرب من الموت

 يسرى الشيخاوي- 

"لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك"، كلمات لجلال الدين الرومي تحاكي حكاية فنانة تشكيلية راقصت الألوان والموسيقى لتهرب من الموت، هي حياة سلام، التي تحمل من اسمها نصيبا كثيرا.

هي الحياة التي لم تنحن أمام الموت وهي السلام الذي عم داخلها حينما نادى فيها صوت من أعماقها فلبت النداء، وعانقت حبا قديما للرقص والموسيقى ولاعبت الألوان لتخلق لوحات مطرّزة بالأمل.

عصامية التكوين، تحب الفنون ولكنها لم تدرس يوما الرسم الذي يبدو أنه كان رغبة كامنة داخلها طفت إلى الخارج  حينما تسلل اليأس إلى روحها لما عجزت عن تقبل الحياة بعد أن اتى السرطان على عضو من جسدها.

سنة ثمانية عشر وألفين هزّ خبر إصابتها بالسرطان كيانها وكانت تتصارع مع المرض يوميا وفي الأثناء ترفض العلاج حتّى انقضت سنة من عمرها وهي تنكر الواقع حتى صار التدخّل الجراحي أمرا محتوما، وفق روايتها لحقائق أون لاين.

فرصة قد تطرد المرض بعيدا عن جسدها فرصة واحدة لن تتكرر إن هي رفضت، وكان شهر جانفي من سنة تسعة عشر وألفين شاهدا على تعمّق أزمتها النفسية وهي التي لم تتقبل مخلفات التدخّل الجراحي.

في شهر جوان من نفس السنة تمكن منها الاكتئاب واستبدت بها فكرة الموت ولم تقاومها، وفيما هي تنتظر الرحيل صرخ فيها صوت داخلي" أنت رسامة"، كانت حينها كالغريق الذي يتشبث بقشة واستأنست بذلك الصوت وسارت إلى نهج الجزيرة بالعاصمة تونس حيث اقتنت أدوات الرسم.

زادها ألوان وفرشاة ورغبة في الرسم، بدأت تتحقّق من نبوءة الصوت الذي نادى فيها، وشرعت في مشاهدة بعض الفيديوهات التي سرعانما أعرضت عنها بعد أن بعثت فيها كلمات رسام عصامي فرنسي الأمل، كلمات تحث على خوض التجربة وإن كان عن غير دراية بتقنياتها.

لأنّها كانت تحب الموسيقى وتهوى الرقص وهي التي أمضت عمرا في تعلم الجمباز فقد استأنست بهما في محاولاتها الأولى، كانت تستبطن الألحان وتحوّلها إلى خطوات وفي الأثناء كانت تضرب بفرشاتها على اللوحة فتترك الألوان أثرها وكلما اكتملت اللوحة استدرت استغراب كل من لمحها لجمالها، وفق حديث حياة سلام.

من رحم الوجع ولدت من جديد، واكتشفت جوانب أخرى في شخصيتها، وحينما رقصت وجرحها مازال مفتوحا تجاهلته ونسيت مخلقات المرض، وهي اليوم تتنفس موسيقى ورقصا ورسما.

أسلوبها الفني متفرّد، وإن كانت تميل إلى التجريد لوحاتها مغرقة في البساطة ولكنها موشّحة بالعمق في ذات الآن، تسافر بك في عوالم مختلفة مزاجها من امل وحب وحياة، رسائل كثيرة عن المقاومة والصمود والإرادة تبثها الألوان والأشكال.

الحياة بوجهها الجميل وكل الأجوبة المريحة لأسئلة عالقة عن الوجود وعن الإنسانية تتبدّى لك في الأشكال التي تتخذ معاني كثيرة وتترك لك حرية التأويل الذي يتبدّل كلما تغيّرت زاوية النظر.

أشكال كثيرة، وألوان تستلهمها من تمثلاتها للحياة، وفرشاة تصر بها على اللوحة البيضاء لتترك فيها أثرا جميلا يحمل معاني كثيرة، هذه بعض ملامح يوم حياة سلام التي بات الرسم أنفاسها ونبضها.

لوحة تلو اللوحة، كانت تروي حكياتها مع الألوان والألحان والخطوات، وكلما توضّحت معالم طريقها كلّما زادت رغبتها في الغوص أكثر في تصورها الخاص بالرسم وكان أن بحثت عن فضاء يؤوي عرضا مباشرا لما تفعله وكانت البداية برواق الهادي التركي بسيدي بوسعيد في شهر فيفري الماضي.

عرض مباشر تعانق فيه الرقص والرسم والموسيقى، ومن الألحان التي أوجدها العازف كمال الشريف حينما داعب اوتار الكمان استلهمت خطواتها والأشكال التي ستملأ بها الفراغات.

تجربة حسية وجودية، خاضتها حياة سلام وكل من خاضوا العرض الذي كان فضاء لملامسة وجه الحياة الجميل والتمتع بسلامها الذي ينتشلك من الواقع المليء بالوجع والسواد والتعب.

هي رسّامة مرهفة الحس،ورمانسية وشاعرية، صفات تحكيها لوحاتها التي تسافر إلى تركيا وألمانيا في معرضين للفن التشكلي يلتئمان في التاسع عشر والعشرين من شهر سبتمبر الجاري.

وإن حالت الظروف التي يعيشها العالم جراء كورونا من سفرها، إلا أنها ستكون حاضرة من خلال أسلوبها الفني المختلف في انتظار أن تتمكن من السفر في فرص أخرى تعرّف فيها بتصورها للرسم.

حوالي مائتي لوحة رسمتها أناملها، تسافر منها ثلاث إلى ألمانيا  لتزين معرض "Connections" وواحدة إلى تركيا لتزين معرض "ورود المحبة"، وفي الأثناء مازلت تحافظ على نفس طقوس الرسم وتسعى إلى نشرها في كل العالم.

 من تفاعل الناس معها تستمد طاقة لا حدود لها، الامر الذي يجعلها ميالة الى العروض المباشرة في الرسم، عروض يتماهى فيها الرسم والموسيقى والرقص وتعانق فيها نظرات الفرح في عيون الحاضرين.

وانطلاقا من هذا التصوّر، تطمح محدّثتنا التي يتوشح صوتها بالأمل والفرح مع كل كلمة تلفظها إلى إقامة عروض مباشرة للرسم على أركاح مسارح عريقة، عروض يتظافر فيها الصوت والصورة واللون والضوء، عروض ترشح أملا وتفاؤلا وتتسلل من بين تفاصيلها رسائل مغزاها " مهما سقطت مازالت امامك فرص للوقوف".

مقالات ذات صلة

حكايات "الموجيرة والري"..

22 اكتوبر 2020 13:40

 يسرى الشيخاوي-   حكايات "الموجيرة والري"..

"العودة إلى العصر الحجري".. حينما يستجيرعادل ...

22 اكتوبر 2020 13:20

يسرى الشيخاوي- "العودة إلى العصر الحجري".. حينما يستجيرعادل المعيزي بالكتابة من ...

"أحببت جلادي" للمياء الفالح.. أو الموت على عتبات ...

18 اكتوبر 2020 17:46

محمد علي الصغير- عن دار عليسة للنشر، أصدرت الروائية الشابة لمياء الفالح

وهل تموت نعمة؟

18 اكتوبر 2020 11:14

 يسرى الشيخاوي-  صباح كئيب، يتسلل منه البرد من كل الزوايا وخيوط الشمس لا تغازل ...

برنامج تظاهرة وتريات متوسطية

15 اكتوبر 2020 20:38

برنامج تظاهرة وتريات متوسطية

"فرح يختفي في المرآة".. قصائد بيضاء في مسارات ...

11 اكتوبر 2020 14:50

يسرى الشيخاوي- يحدث أن تستبد بك رغبة في الوقوف على حافة طريق تسلكه، لاشيء منطقي ...