09 اوت 2020 17:30

بعد استنفاد الفرص .. لم يبق للأحزاب إلا الخيارات المرة

بقلم : طارق القيزاني

 

طالب رئيس مجلس شورى حركة النهضة عبد الكريم الهاروني بتكوين حكومة تعكس ما أفرزته نتائج الانتخابات وتحترم دور الأحزاب. كلام لا يستقيم في هذه المرحلة من الناحية الأخلاقية، وحتى من الناحية الدستورية. فمثل هذه الدعوات يفترض أن تكون طويت منذ شهر جانفي مع الحكومة المقترحة للحبيب الجملي ليلة سقوطها في البرلمان.

 

ثم إن إصداع أعلى هيئة في الحركة بالفشل المسبق "لحكومة أقلية" بناء على تجربة الحكومة السابقة الفاقدة للتضامن الحكومي، لا يعني في المقابل نجاحا متوقعا لحكومة سياسية موسعة، ناهيك أنها نابعة في نهاية المطاف من برلمان فاقد هو الآخر للحد الأدنى من التجانس أو لأغلبية مؤثرة. وهذه المعضلة تتجاوز الرهان الضيق لتكوين الحكومة إلى أزمة أعمق تشمل القانون الانتخابي في المقام الأول.

ما يفهم من السياق الحالي لتكوين الحكومة الجديدة انطلاقا من الفقرتين الثالثة والرابعة من الفصل 89 في الدستور، هو أن رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي بدأ مشاوراته وهو، ومن ورائه رئيس الجمهورية، يعلم أن كل الفرص الممنوحة للأحزاب قد استنفدت، سياسيا ودستوريا، وأن المشاورات لا تعني قانونيا التزام المشيشي بشيء تجاه الأحزاب بشأن تركيبة الحكومة. 

على الجانب السياسي يقول المشيشي إن الأولوية المطلقة في المرحلة المقبلة ستركز على مهمة الانقاذ. وهذا الكلام يجعل رئيس الحكومة المكلف في حل من أي رباط مع الأحزاب وفوق كل الضغوط برغم تطميناته بأنه سيعمل عى ارضاء الجميع. وكسب الرضى قد لا يعني الانسياق إلى المحاصصة العينية.

من الناحية التقنية وبالعودة الى نفس الفصل 89 الذي يمثل الاطار القانوني الوحيد المؤسس للسلطة التنفيذية الوليدة في هذه المرحلة، فإنه ليس للأحزاب من فرص أخرى سياسيا غير الحفاظ على البقاء ولعب دورها التشريعي والرقابي في البرلمان، في مقابل منح الثقة للحكومة، سواء كانت حكومة سياسية او حكومة كفاءات، وفسح المجال لخيار رئيس الجمهورية بأن يدير دفة الحكم بشرعية الفصل نفسه، وأن يكون المسؤول عن تلك الخيارات تجاه الشعب والبرلمان. 

إن المسؤولية المباشرة للأحزاب المتصدرة للحكم ليس فقط في ضياع الفرص المتتالية واستنفادها وإهدار الوقت مع ما سببه ذلك من كلفة باهضة وخطيرة اقتصاديا واجتماعيا، وإنما أيضا حشر نفسها طوعا وبسذاجة في مطبات الفصل 89 وجعل مؤسسات الدولة رهينة نظام مبتدع بحكم الأمر الواقع، فلا النظام البرلماني المعدل موضع تطبيق فعلي ولا الرئاسي المفتعل له من الصلاحيات التنفيذية الكافية لإدارة الحكم.

إن الأخطر من تلك المعضلة التي تضع الحكم على طرفي نقيض، هو امكانية استمرار حالة الارتهان لسنوات أخرى وانحسار هامش التغيير في حلقة دائرية مفرغة بمقتضيات الفصل 89، أمر قد يضع الاحزاب أمام فرضية التفكير جديا في إحدى الخيارات المرة بالبحث عن شرعية بديلة داخل الصناديق بدل المخاطرة بشرعية النظام برمته، كما لوح بذلك الرئيس قيس سعيد. 

 

*طارق القيزاني: صحفي تونسي

 

مقالات ذات صلة

فرنسا هي الطاعون والطاعون فرنسا (محمود درويش: مع تغيير ...

24 اكتوبر 2020 12:45

 بقلم: سمير جراي جريمة قتل أستاذ التاريخ الفرنسي صامويل باتي الإرهابية كشفت ...

10 ملاحظات أساسية عن حوار المشيشي

19 اكتوبر 2020 11:31

كتب الأستاذ بمعهد الصحافة أمين بن مسعود- عقب متابعة شبه دقيقة لحوار السيد رئيس ...

الملْمَح المثالي لوزير الثقافة القادم

16 اكتوبر 2020 10:33

كتب الناقد أنور الشعافي- سمّ ما حدث في 2011 ما شئت فليس ذلك مُُهِمّا لأن الأهم هو أن ...

حراك التغيير يفجّر صراع الزعامة داخل النهضة

11 اكتوبر 2020 21:05

 بقلم: جيهان علوان كغيرها من الأحزاب السياسية الوازنة في البرلمان والفاعلة في ...

ذرّ الرّماد على كورونا..

09 اكتوبر 2020 22:50

يسرى الشيخاوي- السكون يملأ تفاصيل الغرفة لا يقطعه إلا صوت الحاسوب وهو يخلد الى ...

"سيب العروض".. "سيّب الثقافة"

04 اكتوبر 2020 16:49

 يسرى الشيخاوي-  "سيب العروض" وسم يقفز من بين التدوينات على موقع الفايسبوك يوشّح ...