04 اوت 2020 17:50

رواية أخرى لـ"وحش السرا"

 يسرى الشيخاوي-

 في التراث الغنائي عمق وشاعرية وحكايا آسرة آخّاذة لا يخبو ألقها بل يتوهّج بمرور السنوات، وهو ليس جملا موزونة وأنغاما متّسقة فحسب بل هي محاكاة لواقع الفرد والروابط التي تجمعه بمن حوله.

وفيه بوح واعتراف ومناجاة وتوق إلى الحرّية والتحرر والوصل بعد بين وهجر، وهو ترجمة لرغبات بعضها ظاهر وبعضها كامن وانعكاس لتمثلات الفرد عن الوجد وامتدادا لتوقعه للتمرّد على النواميس والأعراف. 

وفي المخيال الغنائي قصص وحكايات تنهل مما يعتمر وجدان الأفراد في مجتمعات مختلفة تشبه تصطبغ بطباع المكان التي وجدت فيه، أفراد يلاحقون الحب والفرح ويستجيرون بالشعر والغناء من لوعات الترحال.

صور شعرية يتماهى فيها الانتظار والشوق والأمل واليأس والوجع والذكرى ويتحدّى فيها صدق المشاعر الزمن فتمس الكلمات شغاف القلب في غير الوقت الذي قيلت فيه وتحفظها الذاكرة ويتردّد صداها ولا تعبأ بحدود التاريخ ولا الجغرافيا.

وكلمات " وحش السرا وبروده" مازالت إلى اليوم تتحسس طريقها إلى القلوب وتعلق بالآذان إن تردّدت لما ترويه من حكايات عن "الهطّاية" وهم أفراد ينتقلون من مناطق إلى أخرى للعمل في الفلاحة التي تختلف أنشطتها  باختلاف الفصول.

 من أرض إلى أخرى، يروي عرق الهطّاية التراب، ثم يرحلون إلى أوطانهم البعيدة بعد أن عانقت أعين أحدهم حسناء وامتد بينهما رباط العشق، وحينما يشتد برد الشتاء يستعر الحنين وتصدح الحناجر بكلمات تختزل الشوق.

"وحش السرا وبروده"، الأغنية التي تحاكي غربة العشق أغرت الكثير من الأصوات لتغنيّها، وإن كانت النساء يردّدنها في جلساتهن وطقوسهن إلا أنّها تجاوزت هذا الحيّز الضيق حينما غنّاها عبد الرحمان الشيخاوي.

منير الطرودي ومهدي العياشي ويوسف الوسلاتي، غنّوا أيضا هذه الأغنية كل بطريقته وأسلوبه الفني وصولا إلى الفنانة المسرحية منى التلمودي التي أدّتها بطريقة لافتة في "مسلسل نوبة".

ويبدو أن منسوب الولع بهذه الاغنية مرتفع هذه السنة إذ أطلّت الفنانة عفاف سالم على جمهورها باستعادة لـ"وحش السرا وبروده" برواية مختلفة عن الرواية الأصلية في فيديو كليب تظافر فيه الجمالي والحسّي.

وفيما تروي الأغنية الأصلية شوق الخل إلى خلّه فإنّ استعادتها تروي شوق الام إلى ابنتها مع تضمين بعض التفاصيل الواردة في الأغنية وتوشيح "الكليب" بمسحة تقليدية تراثية ترجمت بعض معانيه.

"وحش السرا و بروده.. يا ولفتي.. وحش السرا و بروده.. وحش السرا و بروده.. يا من عزم شرَّف على قمُّودة"، يصدح صوت الفنانة عفاف سالم من علياء "تكرونة" القرية الجبلية التي تروي حجارتها تاريخا يأبى النسيان.

بصوتها تحكي أسرار القبائل وتعاضدها الأزياء التقليدية والحلي التي ارتدتها والممثلة دليلة المفتاحي والوشم الذي زيّن تقاسيم وجهيهما، وفي امتداده تعكس عمق ملاحم الهجران والشوق.

وبإخراج استنطق فيه علي ضيف الله تفاصيل التراث المرئية منها والمحسوسة، بدت الرواية الجديدة لـ"وحش السرا" مغرية بحضور الفنانة دليلة مفتاحي (الأم) التي آوت في تقاسيم وجهها تعبيرات الحزن والوجع ووشّحت وجهها بالتوق إلى لقاء ابنتها البعيدة (عفاف سالم)، ابنتها التي تتحسس صوتها عبر الرياح.

ومع هزيز الريح يتبدّى صوت الابنة ويهتز قلب الأم وتركض في رحاب تكرونة العتيقة باحثة عن طيفها لتتعثّر كل مرة في الفراغ وتتوه نظراتها ويخبو الصوت وتضيع بوصلتها وتحضن الغياب.

كلمات الأغنية التراثية تتواتر، تردّدها عفاف بن سالم بصوت شاسع المساحات، وتترجم دليلة مفتاحي خباياها بنظراتها واضطرابها ووجعها الكامن في صخب وتؤنس وحدتها بصوتت الرحى الذي يحاكي نبضات قلبها.

وعلى لقاء التهام الحجر لحبات القمح أو الشعير تغالب الأم حنينها لحضن ابنتها وضحكتها ومشيتها، وفي وجه دليلة مفتاحي تحضر كل الأمهات والجدّات ونساء الأرياف والكادحات والعاشقات والام والاخت، وعند تفاصيل وجهها تلتقي ملامح كل النساء اللاتي يحملن المحبة في أحشائهن.

ملامح متغيرة متبدّلة مغرقة في الصدق والاقناع تحملك في كل حين الى ازمنة خلت وتعرج بك إلى الأمازيغيات وحليهن ووشمهن، وبالوشم تخلق معان اخرى على محيا الأم وابنتها وتتناثر التعبيرات لتتشابك مع جمال الطبيعة التي بدت كقطع من الجنة تقطع بينك وبين رتابة الواقع.

على نسق نغمات القصبة التي يبث فيها محمد بن صالحة من روحه فتحاكي كل الشجن والحنين اللذين يعتمران قلب أم لم تكحّل جفونها برؤية ابنتها وتغوي الذاكرة حتى تشرّع أبواب الذكريات على مصراعيها.

وفيما القصبة تتلو حكاياها التي خطتها انامل بن صالحة، تنهمر الايقاعات والأنغام من آلات موسيقية تعانقت فخلقت توزيعا جديدا للأغنية التراثية أوجده حمدي المهيري فيحافظ على روح الأغنية مع لمسة خاصة توائم الرواية الجديدة. 

وأنت تنغمس في تفاصيل "الكليب" يسري بم الخيال " إلى فريقيا" و"قمودة" و"تكرونة" فيما مضى وتعانق رائحة الأرض بعد الصيب وساعة الريح وعبق الصنوبر والسرول وحفيف السنابل بعد أن قطعت رؤوسها، وتصدح حنجرو عفاف بن سالم بكلمات محمّلة بالحكايا وتلتقي الأم وابنتها في نهاية يزيّنها الفرح.

 

مقالات ذات صلة

تأجيل أيّام قرطاج السينمائية

28 سبتمبر 2020 12:08

تأجيل أيّام قرطاج السينمائية

فريد الـExtranjero: صوت "العباد في تركينة"

27 سبتمبر 2020 21:10

 يسرى الشيخاوي- العباد في تركينة لحمها مقطع بالسكينة.. يزيد لحاكم اجينا ادز اهين ...

"لآخر نفس".. تأبى الحقيقة أن تتعرى

26 سبتمبر 2020 17:07

يسرى الشيخاوي- "لآخر نفس" يلاحق "فارس" حقيقة الكوابيس التي تقض مضجعه، كوابيس تهز ...

مخاض "ذاكرة" .. حكاية مدادها الدمع والدم

25 سبتمبر 2020 15:00

يسرى الشيخاوي- موشحة بالنشوة تلك اللحظات التي تسبق ولادة عمل فني، موسيقي كان أو ...

ثنايا "منطق الطير" أو الطريق الى الله

24 سبتمبر 2020 15:20

يسرى الشيخاوي-  السواد يوشّح جنبات المكان ونور يتسلل من بين خيوط العتمة، وصوت ناي ...

ذاكرة رقمية لأيام قرطاج السينمائية

16 سبتمبر 2020 21:00

يسرى الشيخاوي-   ثلاثة عناصر أساسية تكوّن مهرجانا ناجحة هي "سينمائيون " و"صحفيّون" ...