28 افريل 2020 10:14

المأساة الوطنيّة: عندما يتزامن استقلال البلدان مع اغتصاب الأبدان

 بقلم الصحفية بالكريديف خديجة السويسي -

عاشت تونس منذ أسابيع قليلة على وقع جريمة شنيعة هزت الرأي العام الوطني والدولي، تمثلت في اغتصاب فتاة وضعتها الصدفة أمام وحش بشري.

أطوار الحادثة تتمثل في توجّه الضحيّة يوم 20 مارس إلى إحدى محطات النقل البرّي بالعاصمة لتسلّم حاسوبها، لتتفاجأ بشخصين (شاب وفتاة) يعترضان سبيلها ويحولان وجهتها عنوة إلى مكان مهجور أين تم اغتصابها بكل وحشية من قبل الشاب بمساعدة مرافقته، رغم أنها كانت في حالة حرجة إذ أصيبت بكسور على مستوى العمود الفقري أثناء محاولتها الفرار بالقفز من الطابق الثاني للبناية التي اقتيدت إليها غصبا. 

ليست هذه الحالة الأولى التي تتعرض فيها امرأة لعملية اغتصاب وحشية فقد تم تسجيل آلاف الحالات في تونس، ولكن الأمر المختلف في هذه الجريمة والذي هز الرأي العام أنها وقعت في مكان عام وفي قلب العاصمة وفي وضح النهار.

ورغم ذلك فإن جرائم الاغتصاب التي لطالما أثارت جدلا على كل المستويات لا يمكن اختزالها فقط في ذاك الفعل العدواني الوحشي الذي يتخذ عنوانا جنسيا يمارس على أجساد النساء وإنما هي جريمة أكثر تعقيدا ولها من الأسباب الاجتماعية الذكورية والتبريرات الأخلاقية الدينية والنفسية المبطنة ما يكسبها مشروعية لانتهاك جسد المرأة عنوة ومن خلال التعنيف، وكأن الأمر نوع من العقاب الجنسي الذي كان يعتمد قديما كأداة لتأديب النساء وإعادة ضبطهن في حال خروجهن عن القواعد العامة.

وتساهم شبكات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها الفايسبوك الذي أتاح للجميع في تونس الحق في التعبير والتعليق عن ما يجيش في عقولهم، في الكشف عن عدد كبير من المساندين لهؤلاء المجرمين الذين يرتكبون هذه الفضاعات من اغتصاب وتعنيف وقتل، يبررون سلوكاتهم ويلتمسون لهم الأعذار من خلال "الوسم" الأخلاقوي.

ولعل التدوينة التي كتبها المدير الفني لنادي التنس بصفاقس ماهر بوغنيمي خير دليل على هذه العقلية، وهو الذي كتب: "الي تخرج تتحمل مسؤوليتها شدو دياركم عملتو العار لا دين لا ملة"، في دعوة صريحة لاستباحة أجساد النساء لا لجرم ارتكبنه سوى الخروج من منازلهن في إعادة إنتاج لما يحصل دائما مع قضايا الاغتصاب من تأثيم للضحية.

... ولكن من أي منطلق؟

يرتكز مبررو الاغتصاب، أو لنقل معنفي المغتصبات في الفضاء الفايسبوكي، في تأثيمهم هذا، على التصورات النمطية لأدوار النساء والتي تقوم أساسا على فكرة جندرة الفضاءات، فالفضاء العام هو فضاء ذكوري بامتياز، وفق هذه التصورات، ويسمح للرجل بممارسة فحولته على الوافدات عليه، إذ أن التمثلات الاجتماعية توزع الفضاءات الخاصة بالنساء ليكن "ملكات في بيوت أزواجهن"، والحال أن من تخرج عن هذا الإطار تعد ضالة وتستوجب التأديب.

هذا التقسيم الجندري للفضاءات وجد في الحجر الصحي العام الإطار المعزز لإعادة تثبيته، فالشوارع الفارغة والخالية من الأمن تهيء البيئة اللازمة لإعادة الضبط الاجتماعي والذي يعد العنف في شموليته أحد آلياته.. لذلك لا نستغرب التعليقات التي تبرر العنف المرتكب وتعيد إنتاجه بطريقة سيبرنية تدخل ضمن طائلة محاولات إعادة تثبيت الحدود الجندرية ولهذا كانت تحمل لهجة حادة تعكس عداء لأجساد النساء وتحملهن مسؤولية ما يتعرضن له إما بسبب لباسهن أو بسبب خروجهن إلى الفضاء العام. 

كما تجدر الإشارة إلى أن بعض هذه التعليقات لم تكن موجهة إلى النساء وإنما للقوامين من رجال العائلة من قبيل "تسيبوا نساكم"، أي أن هذه التعليقات تستبطن أيضا دونية المرأة في مقارنة بعلوية الرجل الذي من المفروض أن يحدد لها طريقة لباسها والفضاءات التي يمكن أن ترتادها وكأننا بهم يوجهون رسالة للرجال مفادها "عزيزي الرجل الذي لا يستغل امتيازاته الذكورية ليمارس سلطة على النساء اللاتي تصنفن ضمن شبكة قوامته نحن نلعب دورك الذي تخليت عنه".

ومن ناحية أخرى يضعنا التعاطي الأمني مع القضية أمام حقيقة أنه وعلى عكس ما تدعيه سياسات الدولة فإن مناهضة العنف المسلط على النساء ليست من أولويات عمل الدولة وتوفير محيط أمن يضمن العيش المشترك في كنف الاحترام أيضا وإلا لكانت الدولة لتتخذ منذ البداية التدابير اللازمة لضمان أمن المواطنين والمواطنات خاصة وأيضا كان ليتم التفاعل مع قضية هذه الفتاة بطريقة أنجع وأسرع وإلا ستجد النساء أنفسهن أمام ثنائية الكورونا والعنف بكل أشكاله. 

إذا وعلى عكس ما يدعيه البعض لسنا إزاء ممارسات فردية شاذة وإنما هي ممارسات لها امتدادها التاريخي والثقافي ومن هنا يمكن أن نتبين على أي منطق ترتكز محاولات شرعنة وتبرير الاغتصاب من قبل المجتمع بتواطؤ من أجهزة الدولة وعلى رأسها الأمن وبغطاء ديني أخلاقوي شعبوي في أكثر الأحيان.

 

مقالات ذات صلة

موقف حركة الشعب من خروج أحزاب للتظاهر يوم 14 جانفي ومن ...

20 جانفي 2022 13:13

مروى الدريدي- قال عضو المكتب السياسي لحركة الشعب

عماد الخميري: النهضة ستتسلح بكل الوسائل القانوينة ...

20 جانفي 2022 11:18

هبة حميدي- افاد  القيادي يحركة النهضة عماد الخميري خلال ندوة صحفية عقدتها الحركة ...

وفاة شاب تعرض إلى العنف من قبل دورية أمنية.. تفاصيل ...

19 جانفي 2022 19:44

 يسرى الشيخاوي- توفي أمس، الشاب شكري مفتاح، بمستشفى الطاهر المعموري بنابل حيث ...

أميرة محمد: وعود رئيس الجمهوية باحترام العمل الصحفي ...

19 جانفي 2022 13:42

حقائق أون لاين- ثمّنت نائبة رئيس نقابة الصحفيين التونسيين

ماجل بلعباس: مريض بالسرطان يخوض اضراب جوع اثر تنكر ...

19 جانفي 2022 11:39

مروى الدريدي- دخل المواطن عمر فارحي أصيل معتمدية

خيام الشملي: السلطة مسؤولة عن الإفلات من العقاب.. و234 ...

18 جانفي 2022 20:50

 يسرى الشيخاوي- قال الممثل عن ائتلاف الأمن والحريات، خيام الشملي، إن 234 بطاقة ...