09 افريل 2020 09:20

ثلاثون يوما من العزلة.. أو الصحافة زمن الكورونا

يسرى الشيخاوي- 
 
لم يخطر ببالي يوما أن غرفتي الصغيرة ستتحوّل الى ركح وشاشة سينما ومكتبة للمطالعة ومزارا أذرف في ركنه الدمع حينما يعييني الشوق الى ايام خوالي، غرفتي الصغيرة أيضا سجني وخزان حماقاتي وذكرياتي ونافذتي على عالم أضاعت ذاكرتي بعض ملامحه، ومكتبا هلاميا أضيق من أحلامي .. 
أربع حيطان وسقف، اوزع نظراتي بينهما بالقسطاس، نظرات مبعثرة تبحث عن معنى الوجود في الخربشات التي تعلو الحيطان وتترصد الأمل عند الفانوس المتدلي من السقف..
وعلى ايقاع الضياع، ارسم خططا مستقبلية بلا ملامح، وأخنق أصواتا تؤلم ذاكرتي وأدوس على معالم الجحود واربت على كتف الوجع وأحمل قلبي بين كفي واهزه بحنو  فيخف اضطرابه ويقهقه من فرط الزيف.
ثلاثون يوما من العزلة، تبدلت فيها كل المفاهيم وتغيرت كل الرؤى وأخرجت الكورونا كل الانفعالات من سياقها، وها إن الفرح عندي يستوي بالفرح، ويحدث أن تلتقي ضحكتي وابتسامتي عند وجنتي..
تباعد اجتماعي وحجر صحي وعزلة جسدية وخوف من القادم وبعض من الأمل والحلم أحاول ان تحيا به وسط السوداوية التي تمتد نحو روحك لتقص اجنحتها، لا سينما، ولا مسرحيات، ولا عروض موسيقية ولا تظاهرات ثقافية، لا سفر إلى الريف حيث أملأ رئتي محبة صافية، وعبثا أحاول أن استعيذ بالافتراضي عن الواقعي .. 
رائحة الشيح والاكليل والزعتر تقفز الى ذاكرتي، تغازلني والاحقها لكن هرولتي وراءها تذهب هباء منثورا، فرائحة الكورونا تملأ أنفي.. وضحكات كل الأطفال الذين التقيتهم من شمال البلاد الى جنوبها تهب الي أفواجا أفواجا، ولكنها تختفي سريعا وسط أخبار الموتى والاصابات.
حتّى مناعتي تلاعبني، وماعاد الدواء يعنيني، فما فائدة شفاء الجسد والروح عليلة  تتآكل على نسق الغموض الذي يملأ كل الارجاء.. الأمر صار شبيها بلعبة تتعطل معها كل مشاعرك فلا تقو على التفاعل معها، الغموض يقتلت من روحك والصحافة ترمّمها..
ليس سهلا على من هوى الحرية وتشبه بطيف النسيم أن يركن الى العزلة الاجبارية فالأمر أشبه بأن تقتلع نبتة من أرضها وتتلف جذرها ثم تلقي بها في تنور، هي نار تستعر داخلي كلما اغواني الخروج..
صعب أن أكون صحفية زمن الكورونا، فأنا امام امتحان أنساني والاصعب أنني أسيرة جدران غرفتي لدواع صحية واخرى أعمق من الصحة نفسها.. أحنّ إلى الميدان، والى تصفح الوجوه، وملامسة التفاصيل التي انسج منها ملامح الخبر، ولكنني اخشى أن أنقل الفيروس الى عائلتي، يصدّني وجه "دادا" كلما خطوتُ نحو الباب..
معادلة قاتلة بين حبّي للصحافة وبين خشيتي على عائلتي تئن معها راسي وجعا وتتزاحم الأفكار في ثناياها تقتات منها لأنتهي الى مواضيع مقالات أكسر بها جدار العزلة..لا شيء يربطني بالعالم من حولي سوى هاتفي وحاسوبي، وفي غرفتي أتحول الى قناص زوايا وأنذر نفسي صوتا لمن أعياه الصراخ ولم يسمِع حيا.. 
في غرفتي أغمض عيني لأسجن فيهما الوجع وانا أصغي الى معاناة الآخرين، حتى أنني أنسى معاناتي وأنا أرسم بالكلمات حكاياتهم وأحول الاصوات الى صور.. الى السقف ارفع رأسي وارتب افكاري المبعثرة، بعضها تعفن  إذ طال سجنها وبعدها تحول الى ديدان  صغيرة تتجول اللعينة في رأسي تقتات من لحمي ودمي قبل أن  تغادر رأسي الأجوف..
في ايام العزلة المفروضة علي يتمرد جسدي وتعلن كل خلاياه عصيانا مدنيا وماعاد الليل لباسا.. حتى النوم فقد معناه أغازله  أغريه بفيلم أو مسرحية او رواية وأرقص له لكنه لا يأتي.. وعبثا أحاول إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود.
حينما تتسلل أشعة الشمس الى غرفتي، أفرك عيني وأتمطى وأحضن حاسوبا أبيض كلون الكفن وأعزف على مفاتيحه ألحانا تتشكل معها معان جديدة تتجاوز المدى وان اوهمك البعض أنّها غير مسموعة.
أصوات كثيرة تخترق سمعي من بين سماعة الهاتف، حكايات على قارعة الفيروس تلتقطها اذناي يوميا ولكنها لا تحجب الفراغ.. الفراغ يتغول وعيناه تتسعان، امد يدي نحوهما لافقأهما فتلاحقني مسؤولية متابعة الأخبار في موقعنا، فلا وقت لدي لدحر الفراغ الذي تسلل الى داخلي.. والوقت يتمطط ويتشظى ويصبح خيوطا انسج منها مسكنات ابتلعها كلما خنقني الفراغ وامتدت يد الغياب تحوي لتسد فمي..
وفي نهارات العزلة ولياليها المتشابهة التي استكبرت على التغيير، أملأ غرفتي بكلماتي العارية في نصوص حسبي أنني بثثت فيها كل ما اوتيت من صدق.. مع مرور الايام ترسخ قناعتي بأن العمل عن بعد مرهق جدا حد الوجع، والأشد وجعا أنني أحرث البحر فتصفعني الامواج من حيث لا أدري  فتظل ضحكاتي سبيلها وتسكن عيني.
وحينما أدخن الوجع على دفعات أتذكر القطط الصغيرة التي تؤنسني بموائها في البهو الخلفي والعصافير التي تشدو الحان الحياة بين فتحات نافذة الغرفة وصديقي المخرج الذي يملأ الفراغ من حولي وصديقات بطعم السكر.. 
في ذروة الانفعال أتذكر خيوط الشمس المتسللة من بين قضبان نافذتي لتعانق اشفاري، ولكن حتى الشمس تفقد بريقها بعيدا عن ابتسامات تغذي روحي وانفاس تبث في السكينة وقبلات تروي وجداني بعد عطش.. 
 وعلى ايقاع أخبار الكورونا أمضي يومك، ترهقني الكتابة، أغلق الحاسوب أحاول عبثا ان أنام، ولا حل إلا أحمر الشفاه أكتب به خطايايا وبين الخطيئة والأخرى أرقص بشغف الغجريات وأحصي حماقاتي.. يذوب ما تبقى من أحمر الشفاه ويسيل قبل أن أكتب "ذاهبة إلى الله لأخبره بسيئاتي التي أنوي ارتكابها بعد زمن الكورونا".

مقالات ذات صلة

حسن النّوايا لا يصنع رَجُلَ دولة...

14 سبتمبر 2021 13:35

-بقلم: رشيد الكرّاي تنتشر في تونس ظاهرة عجيبة هي إطلاق الألقاب المُضخِّمة للذات،

نحن الأقوى والأبقى وهم لأنفسهم ظالمون...

09 سبتمبر 2021 12:59

-بقلم: رشيد الكراي تونس قررت لنفسها مسارا خاصا واستثنائيا

"القرينتا" وجرانيت العالم...

09 سبتمبر 2021 12:01

بقلم الكاتب: ميلاد خالدي لقد علّمونا أن للكلمة طاقة نفّاثة متحوّلة

اللوبيات والأحزاب والزواولة.. من الخاسر ومن الرابح من ...

09 سبتمبر 2021 09:37

-بقلم: العجمي الوريمي لقد دشن بورقيبة بقرار منه مرحلة التعددية الحزبية ب

الانتظار سيدُ الملل ويُفقد الأمل..

02 سبتمبر 2021 17:20

بقلم رشيد الكراي- منذ عقد من الزمن لم تفارق التونسيين دوامة البحث

"الباركينغ" و"الشنقال".. ماهي مسؤوليتهم ...

01 سبتمبر 2021 15:00

بقلم الأستاذ نادر الخماسي محامي وباحث في القانون- نشهد في الأونة الأخيرة تواتر ...