20 مارس 2020 20:26

قيس سعيد من خطاب الأزمة إلى أزمة الخطاب

بقلم: وسام حمدي

ما أدخله خطاب الرئيس قيس سعيّد الذي أعلن فيه الحظر الصحي الشامل بالبلاد من ذعر وريبة في صفوف التونسيين، يكاد يكون أشد إخافة حتى من فيروس كورونا في حد ذاته.

ظهر الرئيس في أقل من خمس دقائق ليقول كل شيء، دون أن يقول أي شيء يفهمه الناس، ليتحول بيانه الرئاسي المدجّج بمعاجم الحرب من خطاب أزمة إلى أزمة خطاب يفتقد إلى أبسط مقومات وأدوات الاتصال.

لم يفهم الصحفيون والفاعلون في المشهد السياسي ولا حتى رجال الأمن والجيش إجراءات الرئيس فما بالك بعامة الناس. علاوة على تعمد قيس سعيد وإصراره القصدي على توسّل لغة عربية فصحى تكاد تكون عرجاء، بدل مخاطبة الرأي العام بما يفهم من دارجته، فإن الرئيس وللمرة الثانية في أقل من أسبوع بعد إعلانه في مرحلة أولى عن حظر التجوّل في بداية الأسبوع لم يوضّح السند الدستوري أو القانوني الذي اعتمده لاتخاذ مثل هذه القرارات، إنها مسارعة وهرولة للظهور أملتها صراعات الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث تلك هي الخلاصة ولا شيء آخر غيرها.

أتمّ الرئيس كلمته ولم يفهم غالبية التونسيين، ما عساهم يفعلون في نهاية أسبوع وبداية آخر، تطلب الدولة عدم مغادرة المنازل دون أن توقف العمل، النتيجة لا شيء.. خطاب يشعل نار المساءلة، في من يخاطب الرئيس؟ ولماذا يخطب دون توضيح، هل يذهب الموظفون الاثنين إلى مراكز عملهم أم يكملون الاعتكاف؟ هل تغلق البنوك أم تفتح؟ كيف سيكون التنقّل ومن أين إلى أين ومن متى إلى متى وكيف؟

حين ظهر ماكرون، مؤخرا ليصارح شعبه تحدث بلغة الفرنسيين التي يفهمون، بل أطنب الحديث حتى في أدق تفاصيل الإجراءات ولم يفوت لا شاردة ولا واردة إلى درجة أنه تحدث في أشياء لا يُثاب على فعلها ولا يُحاسب على إهمالها وتركها كتحذيره الفرنسيين من استعمال رقم الهاتف الموضوع على ذمة المواطنين للإبلاغ عن الإصابة بالفيروس وليس لإضاعة وقت الطواقم الصحية باستفسارات ليست من صميم المهمة الموكلة لهم.

 في تونس أوغل قيس سعّيد وأبحر في استعمال لغة الترميز المشفّرة والغارقة في مفردات" لا بدّ"، "أعتقد" أو "أقترح" و"أرى من الأصلح والأنفع ". فّإن كان الرئيس يعتقد ويقترح ويرجّح ولا يتخذ القرار ويعللّه، فمن سيتخذ القرارات وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول رقم واحد عن الأمن في البلاد؟

قال الرئيس إن الحجر الصحي الشامل، يُمنع بمقتضاه أي مواطن من التنقل من مدينة إلى أخرى دون تحذير أو تنويه مسبق لمن حزم حقائبه للسفر عائدا إلى عمله في تونس الكبرى أو تاركا العاصمة هربا منها إلى مدينته الأم ليُكمل الاعتكاف الصحي بين أفراد أسرته.

كرر الرئيس الخطأ نفسه حين أعلن الثلاثاء عن حظر التجول دون أن تجهز مؤسسات الدولة أساطيلها أو تتخذ تدابيرها لتطبيق هذا القرار، فكانت النتيجة فوضى عارمة لتغص محطات نقل العاصمة بمئات المسافرين ما عرّض الناس لإمكانية  الإصابة أكثر بكورونا.

النقطة الأهم، في كل ما باحت به قريحة الرئيس قيس سعيّد هو اجترار خطابات الوعد والوعيد للمضاربين والمحتكرين. ربما يعتقد الرئيس  أنه الأول الذي يتطرق إلى هذا، فمن بورقيبة وحتى من قبله البايات مرورا ببن علي، وصولا إلى حكام ما بعد الثورة رفع جميعهم شعار الضرب بيد من حديد كل من يتلاعب بأمن أو غذاء التونسيين، لكن النتيجة على أرض الواقع تبقى مع سعيّد ومع من سبقه وربما مع من سيأتي بعده لا شيء، ليستكرش أثرياء الحرب وتتكدس ثروتهم عند الأزمات أكثر بكثير من وقت الاستقرار.

إن أكثر الفئات قلقا وخوفا من وباء كورونا هم من الشيوخ والعجائز، فهل فهموا لغة الرئيس، هذا هو السؤال الأهم، حتما لا، فإن فهموا، فهنيئا للرئيس وإن لم يفهموا فهنيئا أيضا  للرئيس لأنه أراد إبلاغهم وإفهامهم لكنه لم يستطع نيل غايته عبر خطاب شعاره " الحقيقة لا توجد وإن وُجدت فهي لا تُدرك وإن أُدركت فهي لا تُفهم وإن فُهمت فهي لا تُبلّغ".

يقول الرئيس إن المناطق الصناعية سوف تغلق، دون أن يحدّد من يُمنع عليه العمل ومن له الحق في مزاولة عمله، فهل العامل البسيط في حضائر المقاولات مثلا مشمول بهذا الإجراء، دعنا ننتظرصدور بيان تفصيلي من الرئاسة، ربما سيكون مُبهما أكثر حتى من ترميزات الرئيس.

علّة تونس الآن تكمن في  خطر كورونا الداهم والمحاصر لكافة أركان الدولة بل لكافة أرجاء الحياة، أما علّة مؤسسة الرئاسة وتحديدا قيس سعيّد فتكمن وفق النتائج في إحاطة نفسه بفريق اتصالي إما إنه يهابه وإمّا إنه دخل قصر قرطاج مصادفة وإما لأن الرئيس في حدّ ذاته بارع في صمّ أذانه وتنفيذ فقط ما يدور برأسه.

سننتظر ربما في السويعات القليلة القادمة يطل علينا رئيس الحكومة الياس الفخفاخ لترجمة أو دبلجة ما أراد قوله رئيس الجمهورية. الخوف كل الخوف أن يقول لنا الفخفاخ عُذرا لقد أخطأتم الهدف، لقد فهمتم خطأ ما قصده الرئيس أو أن بعض قراراته قد اعترض سبيلها مثلا قُطاع طرق حوّلوا وجهتها قبل إخراجها من سياقها.

أراد الرئيس أن يريد لكنه لم ينجح في إيصال ما أراد أن يريده.. هذه هي خلاصة خطاب رئاسي كان هدفه الأساس الطمئنة في قلب أزمة حادة، فتحوّل إلى كاشف عن عورات أزمة خطاب مبتور ومرتعش. هنيئا لنا بأن كورونا ليست عدوا مكشوفا يُشهر سلاحه على الرقاب فلو كان الأمر كذلك لما ردّ هذا العدو غير المرئي على خطاب قيس سعيّد بأقوى ما يملك من جاه وعتاد.

 

مقالات ذات صلة

حتى تكون المقاومة جماعية...

30 مارس 2020 18:42

حتى تكون المقاومة جماعية...

العالم يحبس أنفاسه: هل يشكل فيروس"هانتا " تهديدا ...

24 مارس 2020 20:30

بقلم: سمية المرزوقي في غمرة الركض المحموم لإيجاد لقاح فعال ضد وباء كورونا الفتاك، ...

عندما تكشف "كورونا" عن وجهها الجميل؟!

23 مارس 2020 16:12

عندما تكشف كورونا عن وجهها الجميل؟!

سنقاومه بكل شيء ... حتى بالحجر

21 مارس 2020 13:55

سنقاومه بكل شيء ... حتى بالحجر

مقترح خارطة طريق لإدارة الأزمة

15 مارس 2020 19:34

 بقلم عبد الحميد الجلاصي- -1-لقد تعودنا في السنوات ادارة سلسلة من الازمات حتى ...

عبد الحميد الجلاصي: إدارة اليومي والتحسب للمقبل زمن ...

14 مارس 2020 18:12

بقلم عبد الحميد الجلاصي إدارة اليومي والتحسب للمقبل... 1/ العالم كله في حالة حرب ...