23 جانفي 2020 12:21

بعيدا عن الممنوع والمباح: عندما تصبح الملاهي الليلية عالما بديلا

 أمل الصامت -

من المؤكد أن لكل منا أماكن يهرب إليها من واقعه مهما كان صعبا أو حتى مرْضيا.. لكل منا عالم مختلف يلجأ إليه كلما أراد كسر المألوف.. كلما أراد أن يبتعد عن صخب المعتاد.. صخب المسؤوليات العائلية والمهنية وحتى الوطنية.. عالم يسكن إليه كلما تاقت نفسه ألا تفكر في ما فات وما يجري وما يمكن أن يكون.

عالم الملاهي الليلية من هذه العوالم التي قد تجد فيها صخبا يرسو بعشاقه، أو حتى من اضطروا غير راغبين، في شواطئ مبعثرة رمالها متراصفة أمواج بحرها، في مشهد قوامه المتناقضات.. متناقضات كتلك التي تشكلت على وقعها الحياة.. نعم فهناك يعيش عدد كبير من مختلف الشرائح العمرية والطبقات الاجتماعية والتوجهات الفكرية، حياة فيها من نقاط التشابه والاختلاف بين شخص وآخر الكثير.

هناك.. بعيدا عن رقابة الأهل والمجتمع.. بعيدا عن مشاغل الدنيا.. بعيدا عن حسابات السياسة.. بعيدا عن أي وصم وكل حكم.. الكل يترك وراءه عالم النهار المتشابهة طقوسه إلى عالم الليل المختلفة مفاهيمه، فكل من اختار هذا العالم كبديل للمعتاد له أسبابه المختلفة عن الآخر.. حتى طرق التعامل مع الفضاء مختلفة.

قد تمر كل يوم من أمام أبواب هذا العالم ولكنك لا تعرف ما يخفيه.. يحدثك البعض عن انحرافات ومجون قد تكون حقيقية أو مزعومة، ملموسة أو وهمية لما لهذه الأماكن من رمزية سلبية، في حين هي خطوة واحدة كفيلة بجعلك تلامس هذا الواقع المعيش في تونس بل في كل بلدان العالم العربية والغربية.. واقع عالم الملاهي الليلية.

بمجرد أن تطأ قدماك عتبة هذا العالم تحتك روحك بفضاء مختلف عن الفضاء الخارجي ويشبهه في آن، فعتمته وإن كانت حالكة إلا أنها تمتزج ربما في أذهان عشاقه بألوان أشبه بألوان الأمل.. الوان تجعلهم يحيون مع كل عثرة تعترضهم في طريق الحياة بتصور يبتعد بهم عن أي حسابات تتعلق بالمباح والممنوع، حتى الصخب هناك وكأنه يخترق فيهم جدار الصمت عكس الصخب المعتاد الذي يجعل الفرد يسكت حتى عن الكلام المباح.

قد يرى البعض هذا العالم من زاوية الحلال والحرام، إلا أن مرتاديه يجدون فيه حتما ملاذا من هذه الأحكام التي تكبل عفويتهم، فهم شيب وشباب، نساء ورجال يهربون إلى ما يوقظ متاع الحياة في نفوسهم على وقع الموسيقى والأحاديث والضحكات المرتفع صوتها.

هناك ترقص الأجساد على وقع الأرواح فرادى وجماعات.. قد تجد من يضربون الكأس بالكأس، كما تجد من لم يأت بهدف الشراب.. قد تجمع الطاولات مجموعة أصدقاء من الجنسين أو من جنس واحد.. قد يجلس الفرد وحيدا، أو مع حبيبته.. قد تصادف من جاء ليحتفل بمناسبة ما، كما ستجد حتما من جاء هربا من ألم يطارده.

فسيفساء بكل ما للكلمة من معنى تشكل هذا العالم الذي هو عبارة عن مسرح مصغر لما يمكن أن تعايشه يوميا في وضح النهار وبعد مغيب الشمس ومع بداية كل يوم جديد...

العتمة التي يفرضها فضاء الملهى الليلي تستطيع أن تملأ كيانك في أي وقت، وتلك الأضواء الساطعة بألوانها الزاهية لا بد أنك لامست مثلها بعد خيبة أمل ما، اما ذلك الصخب، سلبيا كان أو إيجابيا، فجميعنا ربما تماهينا مع صخب يشبهه إما فرحا أو ضجرا، وكل أولئك الأشخاص الموجودين عبارة عن شخصيات من المؤكد أنك واجهتها وتواجهها في سلسلة حياتك اليومية بنفس المتناقضات والتوازنات التي هي أصلا أساس الكون.

مقالات ذات صلة

حتى لا تختلط الأوراق مجددا .. بقلم عبد الحميد الجلاصي

29 جويلية 2020 18:24

بقلم عبد الحميد الجلاصي- يوم الغد ،يوم الثلاثين من جويلية قد يكون منعرجا في ...

هل يبرر الموت والسجن التجنّي على التاريخ؟

29 جويلية 2020 11:42

بقلم عبد السلام بن عامر- يوم 24 جويلية الجاري كانت الأكاذيب في ذكرى وفاة الرئيس ...

ماذا بعد اختيار المشيشي لرئاسة الحكومة.. وما خيارات ...

26 جويلية 2020 20:48

ماذا بعد اختيار المشيشي لرئاسة الحكومة التونسية.. وما خيارات النهضة؟

"الفخفاخ غيت" ..النهضة "الغانم" والمستفيد

18 جويلية 2020 13:07

 بقلم: نبيل الأحمدي - سقط الفخفاخ، وسقط معه تحالف حكومي بني على الإكراهات ...

عن أحمر الشفاه واللباس غير اللائق..

15 جويلية 2020 14:00

عن أحمر الشفاه واللباس غير اللائق..

الرئيس ومتلازمة المبني للمجهول

10 جويلية 2020 12:10

بقلم: نبيل الأحمدي ناهيك عن الشعور بالرتابة، يعتيرك إحساس بالغربة والضياع، ...