25 ديسمبر 2019 18:14

"يا حياتنا"

 بقلم الأستاذ والصحفي أمين بن مسعود-

نعم، تجب وقفة طويلة عند مضامين الأغنية التي أصدرها جمهور النادي الإفريقي والتي حملت عنوان "يا حياتنا"، لا فقط لأنّ الجمهور الرياضي هو جزء من الطبقة المتوسطة المستهدفة والمستنزفة منذ عقدين على الأقلّ وفق سياسات الفاعل الرسميّ في البلاد، ولكن لانّ الأغنية تُجسد البيان رقم الواحد، لمدونّة غنائية رياضية جديدة يتقاطع فيها السياسي مع الاجتماعي مع الاقتصادي مع الرياضي في تونس. 

 
"يا حياتنا" بشكل من الأشكال تُجسّد امتدادا لأغنية "في بلادي ظلموني" لجمهور الرجاء البيضاويّ، تقريبا نفس الوَجع المجتمعيّ وذات التعبير عن القضايا والمسائل السياسية والاجتماعية وعينُ الإحساس بالغُبن الجماعيّ. 
 
لم تكن الأغاني والموسيقى بشكل عامّ بعيدة عن المسارات الاجتماعية والسياسية الكبرى في العالم, ف"الجاز" الأمريكي صاحب مسار انعتاق الأمريكان السود من ربقة العبودية, و"البلوز" كان العنوان الموسيقي الأبرز لمرحلة ربيع الشعوب في أوروبا وأمريكا، بدوره مثّل "الريقاي" المحمل الرمزيّ للشعوب المنتفضة في أمريكا اللاتينية، ومثله كان "الراب" تعبيرا عن مرحلة فردانية الذات في المجتمع.  
 
جسّدت الأغنية من خلال قدرتها على التحليق عاليا في سماء التقاطعات الثقافية والحضارية الكبرى، واستجلاب شفرة رمزية موحدّة تجاوز اللغات والاثنيات، المحمل الأمثل للتعريف بالقضايا الكبرى في سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية محددة. 
 
ووفق تحديد انثروبولوجيا الاتّصال الرمزيّ، فقد كانت أغاني "إيدير" من أعماق الأوراس في الشرق الجزائريّ بطاقة تعريف رمزيّ بوجود ثقافة على هامش التحديد الرسمي لمعالم الهويّة والثقافية... ولا تزال إلى اليوم الأغاني المرتسمة في جبال الشمال الغربي في تونس "دال رمزيّ" بوجود مدلولات دفينة في الوعي الجمعيّ... 
 
اليوم، تكتسح أغنية "يا حياتنا"، شبكات التواصل الاجتماعي بشكل لافت, بنفس الاكتساح الذي وجدته أغنية "في بلادي ظلموني"، للجمهور الرجاوي، وعندما يحصل ذلك، فإنّ الأغنية تجاوزت الميدان الرياضي والجمهور الكرويّ وبلغت الرسالة بما تحمله من مضامين واقعية سقوفا جدّ عالية. 
 
ودون تعقيد لا تحتمله الأغنية التي اختارت البساطة في المبنى والعمق في المعنى، فإنّ الميزة الأساسية لأغنية "يا حياتنا" انّها أغنية سياسية دون تسييس, واجتماعية دون مطلبية، واحتجاجية دون شيطنة وتدنيس، والأهمّ أنّها "تعبير عن الألم دون تأييس"... 
 
قوّة أغنية "يا حياتنا "، أنّها أغنية جمهور رياضيّ معيّن لكنّه يحمل وعيا مجتمعيا تجميعيا وتفكيرا سياسيا جامعا, وتعكس واقعا وألما جماعيا يمثل خيطا ناظما لغالبية الشعب التونسيّ، وهُنا بالضبط يتجاوز الجمهور حدود المقابلات الرياضية أو تخوم ألوان الأندية ليكون منبعا ومجالا لصناعة الوعي الاجتماعي والسياسيّ... 
 
تستحضر أغنية "يا حياتنا"، السرديّة الحزينة خلال الفترة المعيشة, من فاجعة الأطفال الرضع إلى كارثة شهيدات الخبز إلى مأساة الملاك مهى القضقاضي التي غرقت في الواد وليس انتهاء بحادثة عمر مشجع النادي الإفريقي الذي قضى نحبه أثناء مُلاحقة امنية، ومع كل استحضار تحضير لثنائية "النحن" المتألم و"الهُم" المتسببون في الألم، دون تحديد واضح لهوياتهم. 
 
الأغنية في تقديرنا المتواضع تجسّد تقاطعا بين ثلاث سياقات فنية كبرى، السياق الأول هو أغاني السجن حيث "استذكار الألم والأمل"، والسياق الثاني هو "أغاني النضال السياسيّ حيث التنديد بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتحميل النخبة السياسية (الباحثون عن الحصانة في الأغنية) مسؤولية هذه الأوضاع, السياق الثالث وهو سياق العشق الرياضي حيث يحضر النادي الإفريقي لا فقط كفريق محبوب وأم البدايات والنهايات، بل كحلّ لهذه الأزمات المستعصية إذ يبقى "فيراج النادي الإفريقي" كعقلية وشخصية وهوية هو المنقذ من الضلال والظلم والظلام... 
 
تقاطع هذه السياقات الثلاث، يكون بلا معنى، في حال عدم استحضار السياق الواقعيّ والإجرائيّ للفريق الاصليّ وهو النادي الإفريقي، حيث يمر بأزمة اقتصادية كبرى وإدارية مستعصية في ظلّ استعداد الجماهير لإحياء مئوية النادي.
 
هكذا تكون وضعية النادي، رجع صدى لوضعية البلاد ككلّ، والوضعية المحرجة للفريق عبارة عن حالة وعينة، عن السياق الأشمل للبلاد وللثورة التونسية ككلّ... 
 
على هذا الأساس، على القائمين على مؤسسات الدولة وعلى الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين الاصغاء بكثير من الأهمية المستحقة لمضامين الوجع الجمعيّ الكامن في الأغنية، وهو وجع دفين وعميق وإن انطلق من فئة معينة (جمهور الإفريقي) فهو منسحب على غالبية أبناء الشعب... 
 
ولئن كانت الرسالة اليوم، في شكل أغنية تتناقلها وتتقاذها مواقع التواصل الاجتماعي بشكل لافت، فإنّ شكل الرسالة في المستقبل لا يعلم جوهرها أحد... 
 
في تونس كما في المغرب، لم تعد كرة القدم، أفيون الشعوب، ولم تعد الجماهير مجرّد أدوات تتحرّك بمنطق "بافلوفي" وفق الأثر والاستجابة، بل صارت في غالبيتها ميدانا لصناعة الوعي ولتأصيل الإشكال واستقراء الألم واسترجاع السرديات واستكشاف ومضات من الأمل المتخفي وراء "الظلام والظلمات والظلم"... 

مقالات ذات صلة

المرأة بين مطرقة العادات وسندان عجز العلم

11 ماي 2021 22:10

 أميرة حجلاوي-  طالما ارتبطت الهستيريا بالمرأة تاريخيا ولعدة قرون. فكان توصيفا ...

فلسطين وصفعتي الأولى

11 ماي 2021 12:20

يسرى الشيخاوي-    في سنتي الثانية بالمعهد الثانوي قدت مسيرة تلمذية تنديدا ...

هل تعجز حكومة الوحدة الوطنية أمام تسلط الميليشيات ...

06 ماي 2021 14:36

شذى الخياري- لا يزال الوضع في العاصمة الليبية طرابلس غير مبشر بالخير، بسبب ...

في الذكرى العاشرة: تدخل الناتو في ليبيا أدى إلى الفوضى ...

19 مارس 2021 16:24

شيماء المناعي- تصادف اليوم ، 19 مارس 2021 ، ذكرى مرور 10 سنوات على عدوان حلف الناتو ...

ليبيا مفتاح العرب لإفريقيا

13 مارس 2021 14:44

* فوزي عمار  ليبيا التي تغسل شعرها في بحر اوربا  اكثر الدول وصولا لافريقيا والتي ...

استقالة المشيشي أو سقوط الشيخ.. من كان الأسرع؟؟

08 مارس 2021 20:07

بقلم: راشد شعير أستقيل؟ .. لا أستقيل؟ هو سؤال المشيشي اللحوح