09 ديسمبر 2019 13:02

"كوميديا 2" لكيلاني زقروبة: عن تونس والمبكيات المضحكات

 يسرى الشيخاوي -

"ڨد المرڨة ڨد الخبزة الفاضل ماثماش.. جابولي الشرڨة والغرڨة نداوي ومانبراش"، تصدح أصوات ممثلين أخفوا وجوهم بأقنعة، َأصوات وشّحوها بمرارة كل فقير مهمش لم يعد يقوى على مجاراة الواقع الاقتصادي والاجتماعي في تونس.

وحول الممثلين تحلّق جمع من المتفرجين في ساحة المسارح بمدينة الثقافة، يتمايلون برؤوسهم على وقع أغاني "غبنتن" التي ترشح وجعا، ولا تلبث لحظات الواقعية أن تتحوّل إلى سريالية تستثير ضحك الحاضرين حد البكاء، فكل المبكيات في تونس صارت مضحكات.

هي مسرحية " كوميديا 2" للمخرجي الكيلاني زقروبة، المخرج الذي يغرّد خارج السرب، ويحاول في كل مرة أن يجسّد شكلا مسرحيا يحاكي هواجسه الفنيّة، وبين كوميديا 1 وكوميديا 2، تشكّلت معالم تجربة مسرحية تنهل من فن الشارع ومن الارتجال.

وفي رحاب مدينة الثقافة، تواترت الرسائل النقدية الساخرة وخلّفت سيلا من الضحكات في صفوف الجمهور، كبارا وصغارا، ولعلّ اللافت في هذا العرض هو إقبال الأطفال عليه حتّى إنهم كانوا جزءا منه، شاركوا الممثلين الارتجال وكانوا منبعا للضحك.

البطالة والتهميش والحرقة، وجوه كثيرة لوجه واحد، عجز دولة على احتواء أحلام شباب، احترق أحدهم ليشعل فتيل الثورة وسالت دماء آخرين لتسقي أنفاسها وتطيح بنظام فقّر الكثيرين ولكن البعض الآخر وجد نفسه في نقطة البداية حيث التهميش نفسه والبطالة عينها ولم يعد لهم من حل سوى ركوب قوارب الموت.

اعتمادا على تقنية "الكوميديا دي لارتي" ذات المنبع الايطالي، يستحضر العرض عذابات التونسيين بدءا من عربة الخضر التي راح ضحيتها صاحبها وآخرون فأحداث الثورة والأحلام الموؤودة التي رافقتها، وصناديق الموت الذي دأب على حصاد الأرواح جماعة.

وبين الغناء وبعض الرقصات الباعثة على الضحك، يرثى العرض كل تونسي أوصدت الدولة أبواب التغيير ومنافذه في وجهه فتتغير الأيام وتتواتر الليالي ويثور الثائرون ويهدأون وتتعثر البلاد ولا تسقط وتظل دار الفقير المهمش على حالها لا تتبدّل.

بطريقة كوميدية ساخرة وناقدىة، سخرية ونقدا لاذعين تستشعرهما من بين الكلمات المضحكة تطرح قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية وحتّى أخلاقية عبر خطابات السيد والسيدة "بانطالوني"، والسيد بانطالوني ليس سوى بائع خضر وغلال متجوّل مخالف للقانون.

من هواجس المواطن، من الغذاء، انطلقت "كوميديا 2" لتصل إلى الشغل فالكرامة والحرية، تلك الشعارات التي رفعها المحتجون ذات ثورة وانطفأت شعلة الثورة ولم يبق سوى صدى تلك الشعارات يتردّد في الأثير كلّما حاولت أنفاس الثورة أن تتسلل من بين أصابع يد تكتمها.

والسيد "بانطالوني" بخيل كالمسؤولين عن منح المساعدات للعائلات المعوزة، وفيما هو يحاول بيع منتوجاتها الغالية جدّا يوسوس له حريف متحيّل بفكرة الهجرة إلى سويسرا فيغرق في الحلم ويخفي الأمر عن مساعده وزوجته، ومتى تفطنا إليه وعدهما بأن يكونا رفيقيه في الرحلة نحو النعيم.

وحلم الهجرة إلى سويسرا جعل من عامل نظافة بسيط "حرّاقا" يضع حيوات الشباب وأحلامهم في مهب الموج، وتوسّعت دائرة الحيلة والخديعة إلى أن غزتها الثقوب وتشتت جمعها وسقط الجميع في قبضة الشرطة، وانتهت الاحلام الجامحة إلى السجن.

والعمل المسرحي الذي يقطع مع الأشكال السائدة للمسرح، من تمثيل عبد السلام مجدوب وعمار التليلي ونادية تليش ولطفي الناجح والكيلاني زقروبة، ممثلون تمرّدوا على الفضاءات التقليدية للعروض والتحموا بالجمهور الذي جعلوه جزءا من العرض يمازحونه ويستشيرونه.

مقالات ذات صلة

تظاهرة مبدعون في الحجر تسدل ستارها

30 جويلية 2020 08:50

تظاهرة مبدعون في الحجر تسدل ستارها

سفر في تفاصيل عرض "حمة ويا ليلي".. أو حينما تصدح ...

28 جويلية 2020 17:40

سفر في تفاصيل عرض "حمة ويا ليلي".. أو حينما تصدح زهرة لجنف بتراتيل الحب والحياة

"ثنايا".. أو حينما تتلو النساء مانيفستو الحرية

27 جويلية 2020 11:30

"ثنايا".. أو حينما تتلو النساء مانيفستو الحرية

نجيب خلف الله.. روح ضاربة في الحياة وابتسامة أبقى من ...

24 جويلية 2020 09:40

نجيب خلف الله.. روح ضاربة في الحياة وابتسامة أبقى من الموت      

وفاة المسرحي نجيب بن خلف الله

24 جويلية 2020 08:32

وفاة المسرحي نجيب بن خلف الله

الفنانة ليلى حجيج تتحدّث عن عرض " نسمة بياتي" في ...

21 جويلية 2020 17:40

الفنانة ليلى حجيج تتحدّث عن عرض " نسمة بياتي"