30 نوفمبر 2019 17:00

مهرجان مسرح فلسطين الوطني: لقاء مسرحي وإنساني

يسرى الشيخاوي-

مثّلت الدورة الثانية لمهرجان فلسطين الوطني للمسرح التي انتظمت من 25 أكتوبر إلى 31 أكتوبر الماضي، مجالا لرأب "الصدع" في ثنايا الجسد المسرحي الفلسطيني، إنسانيا وفنّيا وحتّى سياسيا، وكانت فرصة لتبادل المعارف والتجارب سواء من خلال العروض المسرحية أو اللقاءات والندوات.

وتقوم اهداف هذا المهرجان على تفعيل المسرح نشاطا فنّيا ومنتجا معرفيا يسهم في حماية الهوية الثقافية الوطنية إلى جانب توثيق الصلات بين المسرحيين الفلسطينيين وزملائهم العرب وتشجيع كتابة النصوص المسرحية والدراسات والأبحاث والكتابة المسرحية المتخصصة، وأيضا تشجيع الجمهور على ارتياد المسرح وتذوق الفنون.

وقد أصدرت لجنة تحكيم المهرجان غددا من التوصيات على غرار امتداد المهرجان ليشمل الأعمال الفلسطينية في فلسطين التاريخية وفي الشتات، وذلك في إطار تعزيز الهوية الجمعية الفلسطينية إلى جانب زيادة دعم إنتاج الفرق المسرحية ماليا بعيدا عن الجوائز والمسابقات وتعزيز دور الشباب ودعم الأعمال التي تواكب الحداثة والتطور الفني والفكري في العالم.

وتضمّ لجنة تحكيم مهرجان فلسطين الوطني للمسرح من محمد بكري رئيسا، والأعضاء الفنانين حازم كمال الدين (العراق)، وسعيد مراد (فلسطين)، وماجد الزبيدي (فلسطين)، وندى الحمصي (سوريا).

وعن مهرجان مسرح فلسطين الوطني، كتب عضوا لجنة التحكيم المسرحي العراقي المقيم ببلجيكيا حازم كمال الدين والمسرحية السورية المقيمة بكندا ندى الحمصي رسالة مشتركة عن المهرجان تلقّت حقائق أون لاين نسخة منها، وهي رسالة تطرّقت إلى الأبعاد الفنية والإنسانية للمهرجان.

وفيما يلي نصّ الرسالة كاملا:

 

"عن مهرجان المسرح الوطني الفلسطيني

الدورة الثانية .. 25 اوكتوبر إلى 31 اوكتوبر من عام 2019

السيد مدير مهرجان مسرح فلسطين الوطني، الأستاذ فتحي عبد الرحمن المحترم.

تحية طيبة،

هذه الرسالة موجهة لشخصكم ومن خلالكم للسيدات و السادة في الإدارة العليا للمهرجان، ولأعضاء لجنة مشاهدة واختيار العروض، ولبقية العاملين في المهرجان كخاتمة لعملنا معكم في لجنة التحكيم.. نحن نكتب هذه الرسالة باسمينا فقط.

بدءا؛ لفت نظرنا في المهرجان أنه كان لقاءً مسرحيا و إنسانيا جمع شمل الفنانين المسرحيين الفلسطينيين في احتفالية ثقافية غير مسبوقة أثرت الحياة الثقافية والسياسية لفلسطين. ولقد سبق لنا أن كتبنا في تقرير لجنة التحكيم المعلن أن مجموعة الأهداف التي أخذ المهرجان على عاتقه تحقيقها قد تحققت بشكل عام.

أولا: 

لقد اجتمع المسرحيون الفلسطينيون من على أرض فلسطين في مهرجان وطني واحد تخللته عملية إطلاع على التجارب المسرحية وتبادل للخبرات (ورشات و ندوات) وظهرت فيه صورة واضحة لخارطة المسرح الفلسطيني الوطني. وإذا كان ثمة غياب لفرقة أو عتاب من فنانة أو فنان فإن هذا عائد، بحسب شعورنا، لطبيعة الظروف الفلسطينية المحيطة بالمهرجان من جهة، و لطبيعة شروط المهرجان، ولأن المهرجان مازال حديث العهد (الدورة الثانية).  

لقد عملت إدارة المهرجان على برمجة فرق مسرحية من مختلف بقاع فلسطين على اختلاف ظروفهم وتوجهاتهم ومناطقهم الجغرافية، وضمّت حتى فرقا مسرحية استعصى حضورها الجسدي إلى رام الله. 

وعلى الرغم من الملاحظات الفنية فإن تقديم عرض مسرحية فرقة (بيت المسرح) من غزة على الشاشة كان إشارة هامة إلى اتحاد المسرحيين في كل مكان من فلسطين وهي إشارة تنضوي تحت هدف وحدة الفلسطيني.

لقد هدفت إدارة المهرجان إلى إشاعة وحدة عاطفية وسياسية وجهدت في تجميع صورة فلسطينية يراد لها أن تظلّ ممزقة حتى التآكل.

ثانيا: 

في ذات الوقت احتل أعضاء لجنة التحكيم الفلسطينيين جغرافيا فلسطين كلها: أرض ال 48 والقدس والضفة الغربية. وقد تكونت اللجنة من اثنين عربا وثلاثة فلسطينيين لديهم تخصصات واضحة المعالم في التأليف والإخراج والدراماتورغيا والتمثيل والسينوغرافيا والموسيقى، وهم جميعا من ذوي الخبرات العريقة حالهم في ذلك حال لجنة اختيار العروض التي أدّت عملها بلا أي تدخل من إدارة المهرجان، بحسب علمنا، ولم تلعب إدارة المهرجان في هذا السياق إلا دورها الصحيح: دور المنسق. الأمر الذي يؤكد على ديمقراطية الإدارة، ووعيها لدورها المهني.

إن اختيار لجان ذات تخصصات (ميدانية) مهمة جدا لجهة المهنية في التحكيم.

ثالثا:

يسرنا أن نكتب، على الصعيد الديمقراطي، بأن إدارة المهرجان لم تتدخل نهائيا بعمل لجنة التحكيم التي لم تتعرض لأي تأثير، كما سبق وأن كتبنا في تقرير لجنة التحكيم، على الرغم من الاختلاف في وجهات النظر بين الإدارة واللجنة لجهة حجب جائزة الموسيقى والتمثيل الثانوي.

إننا نرى بأن منح جائزة بغير حق وللترضية فقط أو لهدف توزيع الجوائز وعدم إعادتها لصندوق المهرجان قد تؤدي إلى نتائج سلبية وقد تخلق لدى الفنان الفائز أوهاماً بالغرور والتميز الفني، بدلا عن تطوير النفس وبذل المزيد من الجهد.

رابعا:

لاحظنا مشاركة لافتة للمرأة في المهرجان سواء في العروض المسرحية المشاركة أو في الإدارة والتنظيم أو الندوات وورش العمل أو في رعاية الضيوف والفرق المشاركة من مختلف مدن فلسطين. 

لقد قام مدير المهرجان بشكل ملحوظ بالكثير من الأعمال غير المنوطة به ليسد بعض الثغرات لمن لم يتمكنوا من أداء عملهم كما يجب، وهو أمر يبعث على السعادة أن نرى هذا المستوى من الشعور بالمسؤولية لإنجاح فعاليات المهرجان واحترام المشاركين فيه. وهنا لابد من التنويه إلى أن عددا من أعضاء لجان المهرجان قد فعلوا الشيء ذاته.

خامسا:

كانت لدينا ـ نحن العرب المنقطعين عن أرض فلسطين ـ صورة مغايرة عن طبيعة العروض المسرحية الفلسطينية. ولقد تغيرت هذه الصورة حيث وجدنا أن بعض العروض قد تجاوزت توقعاتنا في مستوى جودتها.

سادسا:

كان واضحا لنا، على صعيد المحتوى، التوجه النضالي لجميع العروض، التي تنوعت ما بين حفظ الهوية والتراث وحفظ الذاكرة وإيصالها لأجيال ما بعد الاحتلال، وما بين التوجه للقضايا الشبابية والمعاصرة.

كما إن المعالجات قد تنوعت كذلك وظهرت عروض تعتمد الارتجال والتأليف الجماعي، وعروض حافظت على أسلوب العرض الكلاسيكي، وثالثة حاولت البحث في المواضيع والأساليب الفنية البصرية ورابعة اعتمدت الفكاهة والرمزية الخفيفة. وكل هذه العروض كانت تتجه إلى هدف واحد هو رفض الاحتلال ورفض الظلم واستنهاض الوعي باتجاه بناء فلسطين المستقبل، فلسطين الحرية والاستقلال.

سادسا:

إلى جانب الندوات الفكرية، نظمت إدارة المهرجان نشاطات موازية كإقامة ورشة تطبيقية تخص التأليف المسرحي لمسرح ما بعد الدراما قادها حازم كمال الدين وورشة التمثيل (الأقل هو الأكثر) قادتها ندى الحمصي، كما قدمت الإدارة التسهيلات لإقامة ورشة مسرحية في مخيم جنين في مسرح الحرية، وتم عرض فيلم (جنين... جنين) لمحمد بكري في مدرسة للبنات وتمت مناقشة الفيلم بحضور الطالبات والمعلمين والمعلمات.

ملاحظة: من المفيد تنظيم جلسات نقدية لمناقشة العروض المسرحية بشكل يومي. فهكذا ندوات تحفز العقل النقدي والحوار البنّاء.

أما من حيث السلبيات:

أولا:

أحب، أنا ندى الحمصي، التأكيد ثانية على ما ورد في تقرير لجنة التحكيم الخاص بالموقف العنفي من قبل بعض الفنانين الفلسطينيين تجاه الحيوان في بعض العروض حيث تعاملوا معه كمخلوق شرير مكروه بلا روح يمكن قتله وتسميمه والقضاء عليه بعنف بكل بساطة وقسوة. إن مثل هذه المعالجة العنيفة ستنقل هذه المواقف إلى الأجيال المقبلة وهذا أمر خطير (قتل حيوان بريء)، لأنه يتعارض مع العدالة والرحمة التي تمس الحيوان كما تمس الإنسان.

ثانيا:

خلال فعاليات المهرجان لاحظنا نحن الاثنان بعض الأفراد يثرثرون وينتقدون المهرجان والقائمين عليه بشكل جانبي. وبرأينا إن هذا لا يدعم نجاح المهرجان واستمراره، بل يخلق جواً سلبياً غير بنّاء. إن هذا المهرجان الفلسطيني الوطني الذي اتسم بالديموقراطية والاجتهاد، والذي عملت على إنجاحه اللجنة العليا وادارة المهرجان، ووضعت فيه وزارة الثقافة الفلسطينية والهيئة العربية للمسرح جهدهما لتقوم قائمته ويكون فاعلا في تطوير المسرح والإنسان في فلسطين، هذا المهرجان يتطلب من المحيط الترفع عن الصغائر ووضعها في سياقها الصحيح، ويحتاج الدعم من الجميع. 

إن أي نجاح ثقافي هو نجاح لفلسطين وثقافتها ولطالما كانت المهرجانات تهدف للمعرفة والتبادل الثقافي والسير إلى الأمام لا إلى الخلف.

ثالثا:

بخصوص بعض ما اطلعنا عليه عبر الانترنت وركّز على سلبيات المهرجان فقط، نود أن نقول بأننا نتفق مع ما ورد من ملاحظات شريطةَ عدم إغفال ما يلي:

إن العروض المقدمة في المهرجان هي أفضل ما تقدم للمشاركة في هذه الدورة، وإنّ العروض المشاركة لم تكن كلها "دون المستوى"!

نحن نرى أنه من المهم إشاعة تقليد حضاري يتلخّص بالاعتراف بجهد الآخرين وتقديم الشكر لكل المشاركين على مختلف مستوياتهم. فكل من اشتغل قد قام بعمله من القلب.. ومن اجتهد ولم يصب فله أجر ومن اجتهد وأصاب فله أجران. .

رابعا:

لابد أن نعرّج على إحدى ملاحظاتنا كلجنة تحكيم ونعقب عليها في هذه الرسالة، حيث قلنا: "تفاوتت بالفعل مستويات العروض، ولذلك شعرت اللجنة وكأن لجنة انتقاء العروض لم تضع معايير واضحة ترتكز عليها". ذلك أن إجابة عضو لجنة المشاهدة الفنان علي أبو ياسين استوقفتنا يوم صرّح في إحدى المقالات بأن لجنة انتقاء العروض اعتمدت معايير محددة، وشرح تلك المعايير.

نحن نتفهم إيضاحه، ونتفهم الصعوبات التي مرّت بها لجنة انتقاء العروض، وهي بالمناسبة تشابه الصعوبات التي مرّت بها لجنة التحكيم.

أخيرا، نتمنى على من يتناول المهرجان بالنقد أن يفعل ذلك دون الإيحاء بأن وقائع المهرجان كانت مصيبة ثقافية، وأن يتناوله بروح تقويمية حتى عند الحديث عما هو سلبي. فالتقويم الإيجابي يساعد في تعضيد حقيقة أنّ ذلك المهرجان المسرحي الفلسطيني جمع الفرق المسرحية والناس بعد سنوات من التمزق والبعاد.

نتمنى، في النهاية، دعم هذه التظاهرة الثقافية السنوية وتطويرها متطلعين إلى الدورة القادمة.

توقيع

ندى الحمصي (عضو لجنة التحكيم، مسرحية سورية تقيم في كندا)

حازم كمال الدين (عضو لجنة التحكيم، مسرحي عراقي يقيم في بلجيكا)"

 

صورة لحازم كمال الدين وندى الحمصي وشادن سليم

 صورة لحازم كمال الدين مع الممثل الفلسطيني حسين نخلة

 

مقالات ذات صلة

المسىرحية الفرنسية "بيلياس وميليزاند": الحياة ...

10 ديسمبر 2019 14:31

 يسرى الشيخاوي - "من دون الحب كل الموسيقى ضجيج.. كل الرقص جنون.. كل العبادات عبء"، ...

درة زروق تفوز بجائزة أحسن ممثلة في مهرجان "نجم ...

10 ديسمبر 2019 12:15

درّة زرّوق تفوز بجائزة أحسن ممثلّة في مهرجان "نجم العرب"

"كوميديا 2" لكيلاني زقروبة: عن تونس والمبكيات ...

09 ديسمبر 2019 13:02

"كوميديا 2" لكيلاني زقروبة: عن تونس والمبكيات المضحكات

"كاليغولا" لفاضل الجزيري: عن الدم والدمع والعدم

09 ديسمبر 2019 12:52

"كاليغولا" لفاضل الجزيري: عن الدم والدمع والعدم

صدور كتاب "السياسة العقابية الإستعمارية الفرنسية ...

08 ديسمبر 2019 12:53

حقائق أون لاين- أصدرت الدار التونسية للكتاب

صدور كتاب "الروح التحررية في القرآن" لعبد العزيز ...

07 ديسمبر 2019 09:21

قسم الأخبار- صدر بتونس عن "دار الاتحاد للنشر والتوزيع"،