05 نوفمبر 2019 06:10

"فتريّة" في سجن النساء بمنوبة.. فوضى مشاعر

 يسرى الشيخاوي-

 

"فترية"، مصطلح من العامية التونسية يحيل إلى ذروة الفوضى، وهذه الفوضى قد تكون مادية بمعنى التناحر والتطاحن وما بينهما من تلاسن وتشابك أو أيضا معنوية بمعنى الحيرة وفوضى المشاعر والأحاسيس، تماما كعرض فيلم " فترية" في سجن النساء بمنوية، العرض الذي أثار " فترية" وجودية في جميع الحاضرين.

 

وعلى إيقاع فوضى المشاعر التي انتابت النزيلات وضيوف السجن من صحفيين وممثلين عن فريق الفيلم و المنظمة الوطنية لمناهضة التعذيب وهيئة أيام قرطاج السينمائية، كان عرض "فتريّة" للمخرج وليد الطايع، وهو فيلم من نوع الكوميديا.

 

وبعيدا عن سياق العرض ومكانه، يثير الفيلم في النفس مشاعر متناقضة فأنت تضحك من أشياء تدعو إلى البكاء وتبكي من أشياء مضحكة، هي فوضى يخلّفها فيك إرث من القمع والانتهاكات وما يحماه من أسئلة وغموض.

 

و"فترية" فيلم يشرّح الواقع ويمدّ يده نحو الزيف ويفقأ عينيه ويعرّي المجتمع التونسي بكل تناقضاته إمّا تصريحا أو تلميحا ويفتكّ منك الضحكة كي لا تموت كمدا من بعض السلوكات والممارسات، وهو بعض من هواجس مخرج لم يمّح أثر النظام النوفمبري في نفسه فجعل من تجربته الذاتية في نادي السينمائيين الهواة فكرة يتوّلد عنها سيل من الأفكار التي  يطوّعها لتكون رسائل وصفرات إنذار يواجه بها الذاكرة القصيرة.

 

والفيلم يصوّر يوما من زمن بن علي، يوم احتضنت تونس قمّة عربية سنة أربعة وألفين، يوم لا يختلف عن غيره من الأيام البنفسجية التي تسير فيها هموم الحاكم وهموم الشعب في خطين متوازين لا يلتقيان، يوم يتكرر ويتكرر بأشكال مختلفة.

 

مزيج من الكوميديا والتراجيديا، كوميديا سوداء يعرّي فيها المخرج قضايا سياسية واجتماعية وثقافية ويرسم فيها الهوة بين السياسيين والشعب واضحة وبلا زينة أو تزييف، ففيما تحتضن تونس قمّة عربيّة عنوانها "تونس بلد الفرح الدائم"، تتعدّد تلوينات الحزن في تونس العميقة التي لا تلتقطها عدسات كاميرا النظام.

 

في "فترية" يكاد صوت "البندير" لا ينقطع عن المشاهد في دلالة على التطبيل للنظام النوفمبري، تطبيل كات تقوده أصوات بعض الإعلاميين المشيدة بعهد الأمن والأمان وبخصال رافع التحدّيات،  تطبيل ترفرف على وثعه صور الرئيس الواحد الأوحد.

 

وفيما واجهة البلاد تتزيّن بالأعلام وبأصوات المطبّلين، يغرق المواطنون في معاناتهم وكأنّ همومهم وهواجسهم وببرامج السياسيين مرج البحر لا يلتقيان، ففي الضفّة الأخرى من تونس مواطنون يعيش كل منهم المعاناة على طريقته، هم صالحة، وعمار، ونادية، وحمادي ونزيهة وغيرهم من الشخصيات التي قد لا تصل إليها عدسات الكاميرا.

 

 صالحة ( ريم الحمروني) إمرأة قاطنة بحي شعبي تتلوّن حزنا وفرحا، تنوح في الأتراح وترقص وتغني في الأفراح وتبيع الخمر و"الحشيش" وتستثمر في مرض غيرها، لا فرق لديها بين المشروع وغير المشروع فالغاية تبرر الوسيلة، فهي في النهاية أمّ تحرص على أن يكون لابنها أسلوب في الحياة دون أن تعي معنى الأسلوب.

 

أما عمّار (عيسى حراث) فهو رجل بلغ من الكبر عتيّا ولم يشفع له سنّه لدى الأطباء الذين تقاذفوه بين مكاتبهم في رحلة أمل لن تنتهي بملاقاة طبيب القلب، عمّار مثال عن ذلك المواطن البسيط الذي سئم لامبالاةو الدولة فصرخ في وجه موظّفها وسرت هستيريا الاحتجاج في المرضى من حوله.

 

ونادية الفنانة التي تصرخ ولا تسمع صوتها وسط ضجيج عمال البناء من حولها، ضجيج يحر مها وزميلاتها من التدريب على كوريغرافيا في مسرحها الذي جعله زوج "صالحة" حطاما، نعم هي مفارقة فالمواطنون الذي يرزحون تحت عبء الزيف والكذب "ينكلون" ببعضهم البعض، إنّ الشتات العظيم ينطلق من تبخيس الفنون وقدرتها على التغيير.

 

وفي المستشفى يستثمر أنيس (حسام الساحلي) في معاناة المرضى ويهرّب الأدوية لـ"صالحة" لتبيعها لأبناء حيّها الباحثين عن متعة وقتية تنسيهم سوداوية الواقع، وتبعد عنهم أسئلة كثيرة عن المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، فيما يحاول حمّادي (جمال المداني) إصلاح الكهرباء في عمارة تداعت جدرانها، هو لا يختلف كثيرا عن السياسيين الذين يرقعون القشور واللب ينخره السوس.

 

أما نزيهة (صباح بوزويتة)  فهي إمرأة تعاني الوحدة هجرها زوجها وسافر أبناؤها للدراسة فتقع في حب الكهربائي ولكنّها لم تكن تعلم أن كسر الرتابة قد يؤدّي إلى السوء، وفي الضفّة الأخرى أم تجلد ابنتها التي اختارت أن تمارس الرقص العصري وتتهمها بجلب العار لاسرتها.

 

فسيفساء من الشخصيات تختلف هيئاتها وتكويناتها وطموحاتها ولكنّها تجتمع عند الهروب إلى الأمام من اجل الاستمرار في الحياة، شخصيات أدّاها الممثلون بصدق وواقعية مع مبالغة في الأداء وظّفها المخرج بشكل بدت معه الأحداث مقتطفة من الحقيقة، شخصيات استعان بها وليد الطايع ليزيح بعضا من الغموض عن حقبة زمنية مفخّخة بالأسئلة والأحداث.

 

وبين نقد النظم السياسية والاجتماعية والثقافية، ونقل تلوينات مختلفة للمعاناة تتلبّس المشاعر ويختلط الحزن بالفرح ويحدث أن تقهقه حينما يبدو لك الوضع اليوم شبيها بذلك اليوم النوفمبري الذي صوّره وليد الطايع وكأنّها دعوة إلى التفكّر والثورة على الأغلال في شكلها الجديد.

 

 

 

مقالات ذات صلة

"دمشق حلب".. الواقع السوري في سردية سينمائية ...

22 جانفي 2020 13:00

 يسرى الشيخاوي-  

"روّح".. مونودراما تعريك وتلبسك أردية بألوان ...

19 جانفي 2020 14:46

يسرى الشيخاوي- العتمة توشّح قاعة العرض بفضاء التياترو

أفلام تونسية في القائمة النهائية لترشيحات أوسكار 2020

19 جانفي 2020 13:10

 قسم الأخبار- ضمت القائمة النهائية لترشيحات أوسكار 2020، 4 أفلام عربية، منها فيلمان ...

اسبوع أفلام المقاومة والتحرير بمدينة الثقافة من 20 الى ...

19 جانفي 2020 11:45

 قسم الأخبار- تحتضن مدينة الثقافة انطلاقا من يوم الاثنين 20 والى غاية 26 جانفي ...

"جنون القايلة".. رصاصة القضاء في قلب السرقة ...

16 جانفي 2020 12:30

 يسرى الشيخاوي-

"نور".. بعض من ملامح الثورة على الركح

15 جانفي 2020 17:00

يسرى الشيخاوي-  في الذكرى التاسعة للرابع عشر من شهر جانفي، ذلك التاريخ الذي هرب ...