29 اوت 2019 18:12

تونس.. من برنس المرزوقي إلى جبة مورو

وسام حمدي-

 

هل سيكون التونسيون مجبرون مرة أخرى على تصديق الروايات المغشوشة التي يتم ترويجها عن عبدالفتاح مورو في ملبسه؟

 

قدر تونس دائما أن تكون دولة مدنية تقدمية وحداثية، يُحترم فيها كل شيء بما في ذلك اللباس والمواقف، لكن ليس معناه أن تكون مرتديا لأفخم وأعرق ما نسجت الأيادي التونسية كالجبة أو البرنس (لباس تقليدي أمازيغي)، فإنك تكون تونسيا بالفطرة قلبا وقالبا؛ فأخطر ما يوجد في الدنيا هو ما يخفيه المرء وراء ما يرتديه من لباس.

 

وإن في عبدالفتاح مورو مرشح حركة النهضة الإسلامية للانتخابات الرئاسية التونسية نموذجا حيا على ما تريد جماعة الإخوان المسلمين المرتبكة تسويقه وتسويغه وإشاعته للناس.

 
هي نفسها لم تعد تقدّم نفسها للناس على أساس وقاعدة البرامج الفكرية أو الأيديولوجية القائمة أساسا على النطق باسم الله، هكذا تفكّر اليوم حركة النهضة في تونس، فهي تعي وتدرك كامل الإدراك أن ما ظلت تقدمه على مدى أكثر من أربعة عقود من أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، لم يعد له البتة أي موطئ قدم في تونس التي كانت وما زالت من أبرز ضحايا عنف الجماعة الأم بعد ثورة يناير 2011.
 
في قلب الرحى وبما تنتجه بازارات السياسة من إفرازات، تقدم حركة النهضة اليوم للناس مرشحا لقصر الرئاسة بمدينة قرطاج عبدالفتاح مورو الذي استقبل في عام 2012 بكل ما تحمله الكلمات من دلالات فكرية وأيديولوجية وعلى الأعناق إن لم نقل عكس ذلك، الداعية والمنظّر رقم واحد تقريبا لجماعة الإخوان وجدي غنيم المقيم الآن في تركيا، والذي تشفّى وبانتقام في وفاة المعارض السياسي اليساري شكري بلعيد ومن بعده الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حين قال بعد دقائق فقط من وفاة الأخير “إن الباجي قائد السبسي علماني، كافر ومحارب للإسلام ولا تجوز عليه الرحمة”.
 
بعد الشد والجذب وتحديدا في علاقة بالمنافسة القوية مع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي المستحوذ على الحركة في أدق تفاصيلها، يطرح السؤال لماذا الرهان على مورو؟ هنا يتبين أن النهضة دفعت بمرشح بعد نظر وتحقيق ودراسة معمقة، فالرجل، لم يكن من الإخوان المهاجرين الذي اختاروا في وقت ما العيش في بريطانيا أو في باريس وستوكهولم، بل ظل في تونس وفي عمقها الشعبي، فوجد صداه وسط الحشود العريقة وفي أحياء عتيقة كـ”باب سويقة” أو “الحلفاوين” اللذين صيغت فيهما منذ القدم كتب وآثار رجال السياسة والفكر كالحبيب بورقيبة أو الكاتبين محمود المسعدي ومحمد بيرم التونسي في ما يعرف تاريخيا بجماعة “تحت السور”.
 
هذا الطرح السياسي المدعوم إقليميا من دويلة قطر ومحورها التركي العثماني الحالم بإعادة إنتاج “البايات” في تونس، تحاول أن تزوّقه حركة النهضة عبر تعمدها وتوسلها سلاح اللباس واللحاف التونسي أي الجبة التي يرتديها رئيس البرلمان المؤقت مورو، والذي خلف في مجلس النواب رئيس الدولة المؤقت محمد الناصر الذي أجبر بدوره عنوة على خلافة الرئيس قائد السبسي إلى حين مرور العاصفة وإعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، وكل ذلك في محاولة لإيهام الجميع، بأن مورو وكما يقول موروث التونسيين “بلدي” (البلدي في تونس هو أصيل المدينة العتيقة وجذوره متّأصلة في ثقافة الدولة الحفصية، التي يذكر التاريخ أن سلاطينها من سلالة أمازيغية مصمودية حكمت تونس وشرق الجزائر وطرابلس في ما بين 1229 و1574).
 
كل هذا الحيف يتم ترويجه رغم علم الجميع بأن مورو متجذّر في الحضارة الموريسكية، وهذه الحضارة تعرف بـ”القشتالية”، وله وشائج بمن بقي من المسلمين في إسبانيا تحت الحكم المسيحي بعد سقوط المملكة الإسلامية وخُيّروا بين اعتناق المسيحية أو ترك إسبانيا.
 
كل هذا النفاق الإخواني المعاصر، لا يمكن تقديمه أو تناوله دون الرجوع إلى الآية القرآنية “وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”، فقد راهنت الجماعة قبل مورو على غيره وهو “الماركسي المتأسلم” المنصف المرزوقي الرئيس السابق والذي منحته الأقدار بالصدفة هذا المنصب، والذي حاول طيلة ثلاث سنوات من حكمه وبدعم من حكومة “الترويكا” التي قادتها النهضة، الترويج لصورة لا يمتلكها في الأصل بتعمدّه ارتداء “البرنس” كي يصبغ نفسه بسمات التونسي العتيق، لكنه في المقابل كان يصول ويجول في مختلف المنابر المدعومة من قطر وأهمها قناة “الجزيرة” كي يكشف أسرار الأمن القومي التونسي بصفتيها الدستوريتين قائد القوات المسلحة وكذلك رئيس مجلس الأمن القومي.
 
إن مجرّد الرجوع إلى فترة المرزوقي، يحيل بصفة آلية إلى وجوب التساؤل الآتي “كيف لنا أن نثق في من خدعنا ولو مرة واحدة؟”، فهل سيكون التونسيين مجبرون مرة أخرى على تصديق الروايات المغشوشة التي يتم ترويجها عن عبدالفتاح مورو في ملبسه وروحه الخفيفة والطريفة أم أنهم سيختارون هذه المرة التوجه نحو مسلك آخر يترجمه التصويت العقابي لحركة النهضة التي ظلت تحكم، تأمر وتنهى طيلة تسع سنوات دون محاسبة؟
 
إن النهضة لم تُحاسب إلى اليوم رغم جرها تونس في لعبة المحور التركي/ القطري بما يضمه من أنشطة إرهابية، أين تم تصدير المتطرفين إلى سوريا والعراق وليبيا، هي تحكم إلى الآن لا لأنها نزيهة بل لأنها تريد مواصلة الحكم حتى من خلف الستار كي لا تنفضح أنشطتها المراهنة دائما وأبدا على مشروع الإسلام السياسي الإخواني رغم كل ما تحاول تسويقه من خطابات مدنية تدافع عن الجمهورية الثانية الديمقراطية والعلمانية، فهل يلدغ التونسيون من نفس الجحر مرتين متعاقبتين فتكون بلادهم مرة أخرى رهينة وحبيسة ما يقوله المُفتي لا الدستور؟
 
* تمّ نشر المقال في حقائق اون لاين بالتوازي مع نشره في صحيفة العرب اللندنية

مقالات ذات صلة

وحل متلاطم.. لكننا نظنه جنات عدن

19 سبتمبر 2019 09:46

حليم الجريري-     كان وحلا متلاطما.. وكنا نظنه جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.. ...

ممارسة خطيرة على وسائل الاعلام المحلية: مخاطبة ...

06 سبتمبر 2019 22:21

محمد العروسي بن صالح-   اقرت الهيئة العليا للانتخابات والهيئة العليا للاعلام ...

نحن والـ26 مترشحا

02 سبتمبر 2019 09:19

محمد العروسي بن صالح- بانضباط شديد للنصوص القانونية المعتمدة ، أبقت الهيئة ...

الإنتخابات الرئاسية 2019: أي رئيس نريد؟ أو ماهي الخصال ...

28 اوت 2019 17:00

بقلم: أحمد وسيم العيفة- أي رئيس نريد؟ أو ماهي الخصال التي يجب أن تتوفر في رئيس ...

التزكية بدينار واحد أو عبر تطبيقة خاصة في موقع " ...

15 اوت 2019 20:58

محمد العروسي بن صالح-   حتى نقاوم غش التزكيات أرى أن الحل واحد من اثنين. فإما أن ...

عبد الحميد الجلاصي يكتب: رسالة اعتراف للاستاذ راشد ...

08 اوت 2019 15:13

القيادي بحركة النهضة عبد الحميد الجلاصي - أولا- لن نضيف جديدا ان تحدثنا عن نمط ...