08 اوت 2019 10:23

عرض نضال اليحياوي في مهرجان الحمامات: عن رحلة فنّية حسية داخل عالم الشاوية

يسرى الشيخاوي-
 
إن فكّرت يوما في أن تملأ داخلك بأصوات الجبل وأن تكون امتدادا لحكاياته المنسية، فعرض "شاوية" لنضال اليحياوي  يجول بك في ذاكرة سكّان الجبل بما تحمله من ثورة وحب، ويسمعك صدى آهات الصخور في منطقة الأوراس.
 
إن أغوتك يوما فكرة التخلّص من سطوة الزمان والمكان، فموسيقى " شاوية " تحرّرك منهما وتكسر الحدود وتقتل الوقت، لتخلق زمنا موسيقيا يتماهى فيه الماضي والحاضر والمستقبل وينصهر فيه الحنين والواقع والحلم.
 
 إن رغبت في أن تطلق العنان لجسد ليرقص بخطوات صاخبة ومجنونة، تحاكي موسيقى متمرّة لا تأبه للتصنيفات، فشاوية ضالتك، فألحانها وإيقاعاتها ما انفكّت تدعو جمهور مهرجان الحمامات الدولي إلى مجاراتها والرقص على نسقها.
 
في المدارج، والممرات المؤدّية إليها، تمايلت الأجساد في رقصات من طينة الموسيقى، خارج التوصيف والتصنيف، لتراوح الأجساد بين حركات الرقص التونسي والغربي وتشكّل فسيفساء متحرّكة.
 
رحلة فنّية حسّية في عالم الشاوية، رسم نضال اليحياوي معالمها بصوت مدوّ يعكس طبيعة جبال الأوراس، وموسيقى جلبت الماضي إلى الحاضر ودعت إليه المستقبل، فكانت عنوانا لقدرة الفن على تشكيل فضاء سرمدي خاص يستمد وجوده من زخم النوتات.
 
بكلمات أصلية لم تسقط عنها خصوصيتها، وموسيقى متفرّدة تجمع بين المتناقضات، وصوت محمّل بحكايا قبائل الشاوية، صار لمنطقة الأوراس روحا حرّرتها النوتات من أسر الجغرافيا، وفي مدينة الحمامات الساحلية رنّ صوت الجبال على إيقاع رقص الجمهور.
 
من "برقو 08" إلى "الحلفاوين الشعبي" فــ"شاوية"، مازال نضال اليحياوي وفيا لتوجّهه الفني القائم على البحث في عمق الذاكرة الغنائية في الدواخل حيث مازالت الأغاني على سجيتها، ومازالت أذنه العاشقة للتراث تلتقط كلمات الأغاني وتنفض عنها غبار النسيان.
 
قبلته ذاكرة الشيوخ والعجائز في مناطق تتوحّد فيها المدوّنة الموسيقية التونسية والجزائرية، يرحل إليهم يجالسهم ويسمع أهازيجهم، يختزن أسلوب غنائهم ويطوّعه مع توليفة موسيقية ترنو إلى تحرير أحاديث الثورة والحب التي يردّدها صدى الجبل من الحيز الضيق.
 
هو، لا يستمع إلى الكلمات ويحفظها فحسب، بل يعيش كل تفاصيل حياة مغنيّها من الشيوخ والعجائز، ويسمع حكاياتهم عن أوصول الكلمات وسياقات التغنّي بها، لذلك حينما يغنّيها يشعرك أنّها نابعة من داخله، حتّى حركاته وسكناته تحاكيها وكأنّما هو الذي كتبها.
 
فحينما يغنّي نضال اليحياوي، على وقع الألحان التي تخلقها أنامل المجموعة الموسيقية المصاحبة له، يحملك صوته إلى طقوس " العولة" وتجمعات النسوة في "الحوش"، وتقاليد الأعراس في من "العقيرة" و"المحفل" و"النجمة"، وجلسات النسوة خلف " السداية"، وحلقات " التقرديش" وغزل الصوف.
 
على ركح مسرح الحمامات كان صوته محرّكا للمشاعر، ينساب ليعلن ميلاد حكاية من رحم الجبل، حكاية عن الحب والفراق والغزل والتغزل بالمرأة ومفاتنها،تؤنسه في الموال ألة القصبة التي تعدّ أحد دعائم الغناء الشاوي، قبل أن يتخذ "الريتم" منحى سريعا يعلنه صوت البندير.
 
في تصوّر موسيقي، لم يطمس هويّة البندير والقصبة، يخاطب الغناء الشاوي موسيقى الروك والجاز والبلوز ويخلق نمطا موسيقيا عالميا ترسم آلات الغيتار والباص والدرامز معالمه، ولا تخلو موسيقى " شاوية من الايقاعات الافريقية التي تتسل بين الأغاني. 
 
هي توليفة موسيقة متفرّدة، تمتزج فيها أصوات اللآلات القادمة من عوالم مختلفة لتحاكي الحياة بكل تناقضاتها، وإذا  عازف الغيتار مهدي البحري داعب أوتار رفيقته انسابت نغماتها ثائرة فتحاكيها نغمات الباص المتمرّد إذا لامسته أنامل العازف مروان سلطانة، وتأخذك  القصبة، إذا نفخ فيها محمد الشابي من روحه، إلى زمن الطفولة وحكايات الجدّات، وإذا مرّر عماد الرزقي يده على وجه الطبل تتسلل إليك أصوات الفرح وأجراس الكاليس وحكايات "المهراس" المعتّقة، ويترجم الدرامز صخب الحياة وصدى الجبل إذا ما لاعبه يوسف سلطانة.
 
على إيقاع "عين السودة" و"لسمر خويا" وأغان أخرى تحملك إلى أيام الطفولة حيث تصدح النساء بأصواتهم دون موسيقى، رقص الجمهور، وكان المسرح فضاء للانتشاء فموسيقى "شاوية" تلبّي كل الأذواق الموسيقية دون أن تغلّب نمطا على اللآخر.
 
لكل هويّته وبصمته وجنونه الذي ختم بها عرض "شاوية"، لكل منه لغة يخاطب بها آلته، لكل منه نفس موسيقي بثّه في رئتي العرض،  بذل العازفون تجاربهم الموسيقية من أجل إعادة البريق لموسيقى الشاوية.
 
كلّ عازف يروي قصّته مع الموسيقى التونسية بطريقته، ينفخ من روحه فيها ويلوّن النوتات برؤيته الخاصة، تختلف التعبيرات وتتنوّع الإيقاعات لكن يجتمع الكل على قاعدة التحليق بالموسيقى التونسية إلى ما وراء الحدود.
 
و في"شاوية"  مهرجان الحمامات الدولي،  لم يستنسخ نضال اليحياوي عرض قرطاج، وإنما اعتلى الركح بتصور مغاير وروح موسيقية متجدّدة وأغنية جديدة من رحم الشاوية، ليقدّم عرضا مداده الجنون والتحدّي، عرض حمل الجمهور إلى عالم لغته الموسيقى والرقص.
 

مقالات ذات صلة

انطلاق فعاليات مهرجان السنابل الذهبية بالكريب

17 اوت 2019 16:40

 حقائق أون لاين-   انطلقت يوم امس فعاليات مهرجان السنابل الذهبية بمدينة الكريب ...

بعد 30 سنة من الإهمال.. مقهى الأندلس بتستور يتحول إلى ...

16 اوت 2019 09:08

فتحي الشّابي- يمثل مقهى الأندلس بتستور أحد المعالم التّراثية

طارق العربي طرقان يجدّد عهد الطفولة على ركح قرطاج

15 اوت 2019 14:33

مروى الدريدي- غنّوا ورقصوا وصفّقوا وهتفوا حتى الزغاريد تعالت

عن استعادة الأغاني .. وإذا عين تونسية استهوت مصر ...

12 اوت 2019 14:40

 يسرى الشيخاوي-   اليوم ڨالتلي زين الزين.. اليوم ڨالتلي زين الزين.. الليلة نتلاڨوا ...

عرض "CENDRILLON" على مسرح قرطاج.. شاركوا أطفالكم متعة ...

10 اوت 2019 11:25

مروى الدريدي- للأطفال أحاسيس وانفعالات قد لا يستطيعون البوح بها، 

رضا ذيب.. فنان يسخّر الخطّ ليعانق أفقه المبين

10 اوت 2019 10:08

يسرى الشيخاوي-   الخط ليس فقط نقاطا متعاقبة يتحدد بها مسارنا أو وجهتنا، بل هو جزء ...