09 اوت 2019 16:10

نضال السعدي يجسّد مقولة "لا هكا لا هكا" على مسرح قرطاج

  أمل الصامت -

"سامحني الجمهور هذا الكل ما شاء الله تعرفشي علاش جاي.. زعمة للدرجة هاذي العرض يستحق؟".. سؤال قد يطرح عليك قبيل انطلاق عرض مسرحية "لا هكا لا هكا" للممثل نضال السعدي على ركح قرطاج ذات 6 أوت 2019، فلا تدري بماذا تجيب وأنت لا تعرف عن العرض سوى أنه نجح جماهيريا منذ أن قدمه صاحبه للمرة الأولى في مهرجان الضحك الذي انتظم بداية السنة، مرورا بعروض داخل الجهات وصولا إلى قرطاج أمام شبابيك مغلقة.

ساعة قبل العرض تقريبا، امتلأت مدارج المسرح وكراسيه أمام ركح زينته 5 أعمدة حجرية وكرسي على شكل عرش، حتى اعتلته فتاتان ارتديتا ملابس تحيلك إلى العصور الرومانية القديمة وبدأتا بمسح ذلك العرش وتمتمة كلمات لم تكن مفهومة، ليتعالى من خلفهما صوت كان يردّد كلمة "مهزلة" ويقر بأن مسرح "قرطاج العظيم أصبح يعتليه العامة وأشباه الفنانين"، في مشهد يبدو أن صاحب العرض أراد به رسالة لكل من شككوا في أحقيته بهذا المسرح العريق بتعلة أنه لا يملك رصيدا يُذكر في المسرح ولم يعرفه الجمهور سوى في تجارب تلفزيونية جمعت بين الدراما والتنشيط وعمل سينمائي وحيد.

مشهد لعله كان النقطة الوحيدة المضيئة في العرض بأكمله، فعلاوة على كونه عكس صورة حقيقية لصاحب المسرحية ومحتوى العمل -رغم أنه أريد به العكس-، فإنه احتوى على توظيب ركحي محكم وتجسيد متقن للأدوار كان أبطاله جهاد الشارني وعبد الستار التونسي وحتى نضال السعدي الذي أبدع في أداء دور العبد المكبلة يداه ورجلاه، أمام عظمة المكان وهيبة الزمان، وحتى البنتان ماسحتا العرش لم تقصرا في مدح ذلك العبد فهتفتا في لحظة ضعف أمام جماله الفائق باسم ابتدعتاه له "نضالوس بوقوسوس".

هو جزء افتتاحي من مسرحية أطنب صاحبها في مدح نفسه وذم الآخرين. ذمُُّ طال شرائح مختلفة من التونسيين من موظفين وسائقي سيارات أجرة وأبناء الأحياء الشعبية البسطاء وخاصة المرأة التونسية.. جزء طغت فيه اللغة الفرنسية على العربية بما يجعله موجها لفئة معينة من الجمهور العريض كما جمهور قرطاج.. فئة ولو كانت محدودة إلا أنها خيّرت مغادرة "الصالة" كما سماها بطل العمل نضال السعدي في إشارة إلى مسرح قرطاج الذي يستطيع استيعاب 12 ألف متفرج.

ولئن عكست المسرحية في نفوس عدد من الحاضرين "خيبة أمل" تستطيع التماسها من نظرات عدد لا يستهان به من الجالسين حولك وتعليقاتهم المقرّة بتلك الخيبة، إلا أنها حملت إلى جانب تلك النقاط المضيئة المشار إليها في مشهدها الافتتاحي، وميض أمل جديد أو لعله متجدد في بلد لا يؤمن شعبه سوى بدين الحياة.. وميض يتسلل إلى روحك بمجرد أن يخيرك أحدهم بين الحياة أو الموت فيختار صوت الأغلبية الحياة.. هو صاحب دور "امبراطور قرطاج" الذي أطلق هذه المقارنة فانحاز الحاضرون إلى الحياة أو "la vie" مثلما صدحت به حناجرهم واهتز له المسرح.

خيار أنقذ العبد "نضالوس سعدوس" من حكم إعدام كانت حاشية الامبراطور تصرّ على إنفاذه في حقه، ولكن شعب قرطاج أبى إلا أن يبقى على قيد الحياة فيعود إليه ملكا في هيئة "زمقري" بامتياز.. تونسي غادر البلاد في العاشرة من عمره وعاد إليها عشرينيا مازال تائها بين بلدين تختلف عقليتا شعبيهما أيما اختلاف.. اختلاف صنع نص العمل في كل فصوله، فكان بطله يراوح بين فترة الصبا التي قضاها في تونس وتلك التي جبرته هجرة العائلة على تقضيتها في فرنسا.. بين فترة الشباب التي عاشها في المهجر وتلك التي عاد فيها إلى الوطن.

مراوحة تبدو في ظاهرها بديهية بالنسبة لعمل اختير له عنوان يرمز إليها صراحة. فمقولة "لا هكا لا هكا" في لغة التونسي العامية يراد بها وصف وضعية محيّرة بطريقة غالبا ما تكون هزلية، تماما مثلما كان أداء نضال السعدي "لا هكا لا هكا" وهو الذي أبدى إتقانا في الأداء في بعض مشاهد المسرحية كما سجل ابتذالا في بعضها الآخر.. كان سلس الحركات في مواضع ومرتبكا في أخرى.. مبدعا في نظم موسيقى الضحكات بين جمهوره الغفير من خلال الكلمة، معتمدا على صوت قهقهته المستفزة للضحكات إن خانته التعبيرات.

تعبيرات ربما نجح أصحاب النص عزيز الجبالي ووعد المدوري ونضال السعدي في جعلها قادرة على نقد ظواهر "الرشوة" و"المحسوبية" و"النفاق" و"التراخي في العمل" وحتى "خرق القوانين" في عدد من القطاعات، إلا أنها فشلت في الابتعاد عن التعميم، فإن كان ديواني المسرحية مرتش لا يعني ذلك أن كل أعوان الديوانة في تونس فاسدون، وإن كان أصدقاء نضال منافقون فهناك في تونس أصحاب مخلصون وصادقون، وإن كانت موظفة البلدية في "لاهكا لا هكا" مقصرة في عملها فليس بالضرورة كل موظفات البلديات غير جديات في تأدية واجبهن دون غيرهن من النساء أو حتى الرجال.

باختصار.. لعل نضال السعدي مشروع مسرحي جيّد وخلاق من ناحية الابتعاد عن الصورة النمطية لاعمال "الوان مان شو" المعتادة، من خلال اعتماد مشهد افتتاحي جماعي واستقبال فنانين آخرين على المسرح وإضافة لوحة راقصة باخراج متقن، إلا ان مسرح قرطاج مازال كبيرا على "الصالات" التي اعتادها واعتادته.. فربما يأتي يوم ويكون هذا الشاب بحجم ذاك الصرح.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

"ميركاتو" البرلمان يسبق صافرة انطلاق المدة ...

11 نوفمبر 2019 12:50

 بسام حمدي- دفع التشتت السياسي في البرلمان بعض الأحزاب الفائزة في الانتخابات ...

بعد احتجاج زملائهم: 15 محاميا "كرونيكور" ملزمون ...

11 نوفمبر 2019 12:32

 يسري اللواتي- التزم 15 محاميا منتميا الى الفرع الجهوي للمحامين بتونس، ...

رئيس هيئة الانتخابات يلوّح باتخاذ اجرءات ضدّ عضويْن: ...

10 نوفمبر 2019 11:21

هبة حميدي- ٍاستغرب عضو هيئة الانتخابات عادل البرينصي تصريحات رئيس الهيئة الاخيرة ...

مقترح لتعيين هذه الشخصية رئيسا للحكومة

09 نوفمبر 2019 15:17

بسّام حمدي- علمت حقائق أون لاين من مصادر متطابقة

تفاصيل إحباط عملية إرهابية في سوسة

08 نوفمبر 2019 22:29

يسرى الشيخاوي- تمكّنت مصلحة الطريق العمومي بسوسة من إحباط عملية إرهابية،

النهضة تنجح في المناورة قبل المرور إلى مرحلة المقايضة

08 نوفمبر 2019 18:55

 بسام حمدي- حصدت قيادة حركة النهضة مكاسب سياسية قبل الانطلاق الرسمي في ...