23 جويلية 2019 13:57

المسرح الأثري بأوذنة: عن حكايا التراب وترانيم الحجارة

يسرى الشيخاوي-
 
الليل يحضن الطريق المؤدية إلى "أوذنة"، يوشح بسواده جنباتها، ويتسلل ألق النجوم بين خيوط الظلمة ليرسم ملامح بداية نهاية الارتباط الكلي بالحاضر.
 
إنه سفر في التاريخ، صرخة في وجه كل السياقات التي قد تشدّك الى الواقع، لا مباني على الطريق، الإضاءة خافتة جدا تغويك بالحلم، أخيلة تداعب بصرك وتتراقص على وقع النسمات الصاخبة، وتسبقك بصيرتك الى تلك الربوة التي تتمدد عليها "اوذنة" في أنوثة وغنج.
 
"أوتينا" كما سماها البربر، عنيدة متمردة، خجولة ولكنّها صامدة في وجه الطبيعة والسياسة والتهميش، تقترب منها فتزيد النسمات جموحا، تحاكي التاريخ المعتق، وتبعث الروح في قصص الحياة المنسية.
 
وعلى تخوم الأحجارة المبعثرة كمشاعر عاشق ساعة الهجر، تلاشت خيوط الظلام وبدت الآثار مشعة متوهجة وكأنها قدت من نور، ساحرة أخاذة تأسرك بتفاصيلها فيسري الخدر في جسدك وكأنك حجارة المكان القت عليك تعويذة.
 
في هذه المدينة الواقعة على الطريق الرومانية، طريق بمثابة الشريان  تصل قرطاج بتبوربومايوس (الفحص) مرورا بمكسولا (رادس)، آثار للبربر وللرومان وقصص تحفظ زوايا المكان تفاصيلها، قصص عن الحياة والموت، عن الحب والكره، عن البقاء والزوال، عن الإنسان في كل انفعالاته وحالاته.
 
هنا، قبالة المسرح الأثري بأوذنة، تصطدم عينيك في كل خطوة بحجر أو بقايا آثار، تسري بك في كل مرة إلى أزمنة خلت، إلى عهد الرومان والبربر  والعرب وما قبلهم، تثير خيالك وتنسج الحكايات عن منازلها الموشحة بالفسيفساء، والكابتول والحمامات العمومية والسبل المبلّطة والأسواق ومعاصر الزيتون والكروم.
 
في غمرة الخيال، تستسلم كل حواسك لإغراءات المكان فتصغي لحكايا التراب وترانيم الحجارة، تتأمل رسائل العشق المكتوبة على شفا الحجارة، وتشتم رائحة الدماء ذات حرب ورائحة الخمر ذات صخب، يتأرج ريقك بين حلاوة النصر  ومرارة الهزيمة وتمسح بيديك الشجن عن وجه الآثار المنسية رغم كل شيء.
 
في الأرجاء، يرقص تراب المكان إذا ما داعبه النسيم المتمرّد تماما كأوتينا التي أحرقها التجاهل ولكنّها انتفضت ونفضت  عنها غبار النسيان، واليوم مسرحها الأثري يحتضن المهرجان الدولي لأوذنة في دورته التأسيسية، مهرجان حجّ إليه الجمهور جماعات وفرادى.
 
وأنت تجول بناظريك بين تفاصيل المسرح الدائري بالمسرح الأثري بأوذنة، تخطر ببالك تلك الصفات التي نلحقها بالحجارة من قبيل الصامتة والخرساء، تردّد على مسمعك بصوت خافت جدا " من قال إن الحجارة صمّاء، ومن قال إن المدارج لا تحكي قصص المارين عليها؟" وتودّ أن تخبر  كل القائلين بذلك أنهم لو أصغوا إلى الأصوات النابعة من باطن المكان وتماهو مع تفاصيلهم سيكونون وجهها لوجه مع ترانيم وحكايا لا تنضب.
 
في المسرح  الذي يتسع إلى 16 ألف متفرّج، مازال صدى صرخات المصارعين يتردّد بين الدهاليز المحدثة على جنبات الركح، ومازال وقع قهقهات النبلاء المنتشين بمشاهد الموت والألم عالقا بالمدارج، ومازال التراب يؤوي دمعات المكلومين حبا وحربا.
 
ومسرح أوذنة ذو المميزات النابعة بالأساس  من طاقة استيعابه ومن موقعه الاستراتيجي، قادر على منافسة بقية المسارح التونسية إذا ما أحسن القائمون على الثقافة الاستثمار فيه، وإيلاءه الأهمية التي يستحقّها خاصة وأنّ برمجة الدورة الأولى تعتبر متواضعة.
 
ولئن احتضن المسرح عديد التظاهرات الفنيّة حتّى قبل تهيئته ذلك أنه مازال صامدا في وجه الطبيعة والسنين، فإنّه من الضروري التفكير في جعله فضاء لمهرجان دولي للموسيقى الكلاسيكية أو الروحانية مثلا، خاصة وأن موقعه البعيد عن الضوضاء يخدم هذا التصوّر، وهذا الطرح تبنّاه صحفيون حضروا افتتاح الدورة الاولى لمهرجان أوذنة الدولي.

مقالات ذات صلة

مهرجان الأغنية التونسية.. تمشّ جديد في انتقاء الأعمال ...

19 جانفي 2021 18:39

يسرى الشيخاوي- انطلقت الهيئة المديرة لمهرجان الأغنية التونسية في دورتها الـ20 ...

بعد "خزف سجنان" و"النخلة" و"الصيد ...

18 جانفي 2021 13:01

مروى الدريدي- بعد "خزف نساء سجنان"، و"النخلة"، أضافت منظمة الأمم المتحدة

"دوك هاوس تونس" تقترح عرض أربعة أفلام تونسية من 15 ...

15 جانفي 2021 11:33

"دوك هاوس تونس" تقترح عرض أربعة أفلام تونسية من 15 جانفي إلى 5 فيفري

ادراج "الكسكسي" و"الصيد بالشرفية" ضمن التراث ...

14 جانفي 2021 22:44

مروى الدريدي- تحتفي تونس بتسجيل عنصرين جديدين في

بعد الدعوة إلى حل لجنة التشجيع على الإنتاج السينمائي: ...

14 جانفي 2021 12:26

بعد الدعوة إلى حل لجنة التشجيع على الإنتاج السينمائي: السينمائيون التونسيون ...

فيلم " باي الشعب".. حينما أُهدرت الفرصة الأولى ...

11 جانفي 2021 22:10

 يسرى الشيخاوي-   فيلم " باي الشعب".. حينما أُهدرت الفرصة الأولى للثورة في تونس