20 جويلية 2019 11:11

فايا يونان تتلو "حكايا القلب" في رحاب قرطاج

يسرى الشيخاوي-
 
صوتها ابن الحب والنوستالجيا، صوت كترانيم الملائكة ودعاء الامهات إذ عانق السماء، كتهويدات النوم أيام الصبا واعترافات العشق وصدى القبلات المبعثرة على صفحة الحياة.
 
رقيقة وحالمة، خامتها تؤوي ضحكات الزمن وصوت وقع الدموع على أخاديد الحياة، خامة قد تبدو لك محدودة ولكنّك ستنسى الأمر إذا ماعانقت إحساسها المتفّرد، فيحملك أداؤها إلى عوالم الحلم حيث يد الحبيب امتداد للوطن.
 
إطلالتها بسيطة، وحضورها على المسرح هادئ حدّ الصراخ، للبعيدين عن اوطانهم والباحثين عن قلوب تؤويهم غنّت، هي الفنّانة فايا يونان التي تسري بك إلى  أوجاع الحرب لتضيع "الراء" في ثنايا الموسيقى ويرتفع صوت الحب.
 
وفي رحاب المسرح الأثري بقرطاج تلت فايا يونان "حكايا القلب"، ألبومها الأخير، حكايا الحب والذكريات التي تعلم على الجسد فيضيع صدى القبلات وسط صراخ الحنين وتظل الأجساد تؤوي أثرها.
 
"يا قاتلي ولها احييتني تيها كل الاغاني سدى ان لم تكن فيها.. جراح حبك تذكار على جسدي ان كان لي فيك خير لا تداويها.. و نار حبك في روحي مقدسة ما اكثر الدمع لكن ليس يطفيها.. خذني اليك و شكلني و كن صفتي احق انت بروحي ان تسميها"، كلمات بالعربية الفصحى رتلتها على مسمع من جمهورها الذي بدأ خاشعا في حرم صلوات الحب.
 
والفنانة التي تعتلي ركح المسرح الأثري بقرطاج للمرة الثانية على التوالي، تجمع عمق الإحساس ورقة الصوت، وذكاء رافقها منذ بداياتها، وهي التي اقتحمت موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأول فنانة عربية تصور فيديو كليب من حملة تبرعات.
 
هي تتحكم بأوتار الفضاء الرمزي الذي صنعته لنفسها وتجيد العزف عليها، جعلت لها متابعين تفقه السبل الى عاطفتهم وقلوبهم، تتغزل بهم وتسألهم عن السبيل الى الشفاء من حب تونس فيجيبون هتافا باسمها.
 
ولأن الموسيقى لغة عالمية لتبادل العواطف، لغة جسرت المسافات بين فايا يونان ومحبيها فإنها احتفت بها في أغنية "بيناتنا موج البحر"، فصارت الموسيقى لغة تنتفض إذا ما عز الفهم.
 
أمام جمهور ردد معها كلمات أغانيها، وتمايل ذات اليمين وذات الشمال على وقع الموسيقى الهادئة جدا، وتساءل معها "كيفنا تنيناتنا"، لتحمله إلى الضفة الأخرى من الحب "حب الأقوياء"وتغني لجمهورها دون موسيقى "انا ما لجأت لعينيك خوفاً.. انا بنت خير التراب وشمس السماء.. فإن كنت تحسب عشقي ضعفا.. فلا حب عندي بلا كبرياء" وكأن بها تبدي امكانياتها الصوتية لمن انتقد صعودها على ركح قرطاج.
 
وهي تغني "يا ليته يعلم" كانت لسان كل محب سكن محبوبه بين ثنايا الروح، قبل أن تصير لسان سوريا وتبلغ سلاماتها لجمهور أحب احساسها وهي تغني لبلدها في أول ظهور لها.
 
وكان الفنان ياسر الجرادي رفيقها في الغناء في أغنية "نرجعلك ديما "، وهو اختيار وفقت فيه فايا يونان ورغم اختلاف المساحات الصوتية للفنانين كان الاحساس قاعدة الالتقاء بينهما.
 
معانقا غيتارته التي تؤنسه حيثما حل، وحاملا حب الوطن بين الكلمة واللحن والصوت، غنى الجرادي "نرجعلك ديما ديما مهما زرعولي الشوك في الثنية" ورافقته فايا الغناء وردد معهما الجمهور كلمات الاغنية، ومن تونس إلى سوريا، يظل حب الوطن الهاجس الأكبر رغم الجراح والأشواك التي تكسو الطريق إليه.
 
وفايا يونان، تجيد التعامل مع جمهورها، وهي التي حدّثته عن الأغنية الثامنة من البوم "حكايا القلب"، أغنية ستؤديها في دمشق للمرة الأولى وتروي فيها وجع وطنها، لتنتهي الى غناء مقطع منها تحية من سوريا إلى تونس، أليس هذا ضربا من الذكاء التواصلي مع الجمهور.
 
 مغنية لبلدها، للمنفيين والمعذبين، حيت العراق وفلسطين وحيت كل البلدان العربية، هي تعلم جيدا أن الشعوب العربية شعوب عاطفية وهي تجيد إرضاء جمهورها إذ غنت "اكابيلا" أغنية بغداد نزولا عند طلب أحدهم.
 
بين الحرب والحب  تأرجح صوتها، وتلك "الراء" التي تسقط عن الحرب، هي عنوان الرتابة التي تخيم على أغاني فايا يونان، رتابة تنبع من النسق الخطي للألحان الذي يجعل الايقاعات والأنغام المتسللة الى اأُذنك مكررة.
 
غناء روتيني، لا يخلو من الإحساس، ولكنه يبدو نظاميا اكثر من اللازم على مستوى الإيقاعات وانسيابية الصوت، وهو ما يجب أن تتلافاه فايا يونان وتعمل على تحرير مساحتها الصوتية أكثر فأكثر.
 
ولئن تشدّك حين تغني، فإنك تظل ترقب تلك اللحظة التي تكسر خط "الريتم" المتواصل، ولكنها لا تفاجؤك وتواصل بنفس النسق، الذي لم ينقطع إلا حينما لجأت إلى المدونة الغنائية التونسية والى التراث الشامي وأغنية سريانية لا تخلو من ملامح الفرح، ومع "الفن الفن عمري للفن" و"ريتك ما نعرف وين" و"زينوا المرجى" حررت فايا صوتها ويديها وكسرت إيقاع الرتابة.
 
وفايا التي تعرف جيدا كيف تغازل جمهورها شاركته الزغاريد التي تردد صداها في محيط المسرح الأثري بقرطاج، وعاضدها التصفيق والهتافات.
 
واللافت في حفل فايا يونان على ركح مهرجان قرطاح، هو الاختيار المميز للعازفين التونسين، الذين حلمت آلاتهم الموسيقية انفعالات الحب ووجع الحرب، فكان صوت الكمان الذي لامسته انامل العازف حمزة أبّا يتأرجح بين صوت الضحكات ووقع الدموع، فيما تحمل إلينا نغمات القانون إذ داعب صامد كمون اوتاره، نسمات الشجن والحنين إلى زمن السلام، ويوقظ ناي محمد بن صالحة الذكريات النائمة.
 
"أحب البلاد" للشاعر الصغير اولاد حمد كانت الخاتمة على ركح قرطاج، على إيقاع الموسيقى التي شارك في عزفها طيلة السهرة كل من وليد ناصر على الايقاع وقيس فريحات على الباص ونديم روحانة على اكرديوم وكريس شاهين على الدرامز بتوزيع من ريان الهبر.
 
وبغض النظر عن التوزيع الرتيب للأغاني الذي يتطلب إعادة نظر فيه لكي لا يبدو الأداء مستنسخة وروتينيا رغم اختلاف كلمات الاغاني، فإن فايا التي كان لها من اسمها نصيب وهو الذي يعني الرقيقة والجميلة، نجحت في استمالة جمهورها الذي ردد معها كلمات أغانيها وكسبت رهان الغناء بالعربية الفصحى.

مقالات ذات صلة

الثاني من نوعه في العالم: عرض أزياء بالخزف في "أيام ...

23 اوت 2019 11:23

مروى الدريدي- تحتضن تونس من 31 أوت 2019 إلى

من النمسا إلى تونس .. الجاز حالة موسيقية عابرة للحدود

23 اوت 2019 08:30

  تسع موسيقى الجاز وإيقاعاته لتحتضن ألوانًا موسيقيّةً متعددة؛ إذ يعتبر الجاز من ...

مهرجان الجاز .. حينما يعانق صوت علياء السلامي سماء ...

22 اوت 2019 12:30

 يسرى الشيخاوي- حضورها على المسرح يتّسم بهدوء صارخ، بسيطة الإطلالة بتعابير وجه ...

الشاهد يقرر الترفيع في ميزانية وزارة الثقافة

21 اوت 2019 16:52

قسم الأخبار - قرّر رئيس الحكومة يوسف الشاهد الترفيع في ميزانية وزارة شؤون ...

ناصيف زيتون.. عن فنان تمكّن من خيوط "اللعبة"

21 اوت 2019 06:20

  يسرى الشيخاوي-    أن تمتلك صوتا جيّدا ليس المحدّد الوحيد لنجاح فنان من عدمه، بل ...