17 جويلية 2019 06:11

"ملوك الطوائف": حينما تتعانق قرطاج وإشبيلية على إيقاع الزمن الدرامي

يسرى الشيخاوي-
هنا قرطاج، هنا تخون الحجارة الصماء صمتها وتشي بحكايات الحبّ والخيانة والملاحم وقصص الهزائم والانكسار، هنا تلثم النسمات وجه القمر فيغازل ألقه شغاف الحنين وترنو الذاكرة إلى بدء آسر ومنتهى بلا خيبات.
في كل زاوية، تسكن عَبْرة وعِبرة، وفي كل قِبلة تستأنس قُبلة اللقاء الأوّل بقُبلة الوداع، وفي كل التفاصيل تتجلّى خطب النصر والانهزام، وتتراءى الأوطان والنساء عناوينا للحروب.
وعلى إيقاع الزمن الدرامي، لـ"ملوك الطوائف"، تنهار كل الحدود، تعانق قرطاج إشبيلية تواسيها وتمسح الحزن عن وجهها الذي اكلته الخيانات، وتتفتّق جروح الذاكرة، وتنكسر كل الأبواب المؤدّية إلى الذكريات السوداء.
أنت الآن في حضرة زمن لا يشبه غيره من الأزمنة، الآن وهنا يتماهى الماضي والحاضر، وتظهر لنا خيباتنا عارية، نحن الإنسان الذي وأد عقلانيته وعاطفته على أعتاب المكائد والدسائس، من أجل وجود لا يختلف عن العدم في شيء.
تراجيديا ضياع الأندلس، قادمة من زمن بعيد، لكنّه بدا قريبا جدّا كأنه بعض من النبضات والأنفاس، زمن يعانق المتعالي، يستكبر ويأبى البكاء على الأطلال، يحذّرنا ويدعونا  إلى التفكّر في الماضي كي لا نكون مهزلة.
حقبة من التاريخ الأندلسي، لامسها منصور الرحباني في مسرحية مغنّاة  تصوّر زمن تهاوي العرب وتفرّق مجد الأندلس بين ملوك الطوائف، في مشهدية لا تختلف عما يحدث اليوم في العالم العربي من فرقة وانقسام، اثني وعشرين دويلة هي حصاد تفتت الأندلس وتمزّق أوصال وحدتها.
والملحمة الغنائيّة، قدّمت إلى الجمهور في نسخة أولى سنة ثلاث وألفين في إخراج وتلحين وتأليف لمنصور الرحباني، وأحياها نجله  المخرج والموسيقي مروان الرحباني، وفيها لمسة كل من غدي الرَّحباني وأسامة الرَّحباني وإلياس الرَّحباني.
وفي النسخة التي عرضت على ركح المسرح الأثري بقرطاج، حافظ مروان الرحباني على الموسيقى والنص مع بعض الإضافات التي طالت السينوغرافيا، إلى جانب اختيار الفنانة هبة طوجي لتشارك غسان صليبا الدور الرئيسي للعمل خلفا لكارول سماحة. 
مع تطوّر النسق الدرامي للمسرحية، تقف في المنتصف بين الماضي والحاضر، فبالأمس، اثني وعشرين دويلة في الأندلس، واليوم اثني وعشرين دولة في العالم العربي، كل منها تغني على ليلاها والضفة الأخرى يقف في الماضي ملك قشتالة (كاستيليا) ألفونسو السادس مؤججا نيران الفتنة وقابضا للجزية والضرائب تحت مسمّى حفظ السلام، وماأشبه ألفونسو برعاة السلام في الحاضر.
ملوك الطوائف، ملوك ولكنّهم مسلوبوا الإرادة أمام ألفونسو يتبرّكون على أعتابه ويطلبون رضاه، يظهرون لبعضهم الحب  ويضمرون الكره ويمكرون ببعضهم البعض، حتّى يأتون على ما تبقى من ركام المجد، ويسقطون سقطة مدّوية، كتلك التي وسمت حكم ملك اشبيلية المعتمد بن عباد (غسّان صليبا).
ومتاهات السياسة والحكم تجسّدت في المسرحية ذات البعد التاريخي، من خلال قصّة الحب التي رسم ملك اشبيلية والخادمة اعتماد الرميكية(هبة طوجي) التي باتت سيدة القصر معالمها وكانا متلازمين فيها في الوطن والمنفى وكأنهما الجسد وظلّه.
على امتداد فصليها، اللذين داما ساعتين وخمسين دقيقة، كان ركح المسرح الأثري بقرطاج، فضاء لتأويل فني لقراءة تاريخية أسقطها الرحباني على الواقع العربي الراهن بما فيه من اغتيالات وسرقات "مشروعة" وإرهاب وتدخل أجنبي، من خلال عناصر درامية وفنية صوّرت مأساة أصلها في الماضي وفرعها في الحاضر.
وإن كانت فلسفة العمل لا تخلو من عمق على مستوى الفكرة والتصوّر، إلا أنّ العرض اتسم بمباشرتية مربكة لا تترك لك مجال التأويل والتفكّر في تفاصيل العرض، لا تثير فيك الأسئلة وتقدّم لك أجوبة باردة، ولوحات العرض وإن جمعت بين الجد والهزل وبين الغناء والرقص وبين مواقف درامية وأخرى طريفة إلا أن الرؤية السينوغرافية والديكور والأزياء لم تكن عناصر مبهرة حدّ الدهشة.
"إذا راح الملك" و" اذا فيك تغير عقلك" و"كللي يا سحب تيجان الربى" و"أجيء إليك" و"لحلوة كاستيليا" و"رقصة البربر" و"لاجايي تعشق" و"جبل الثلج" و"دقوا الكاسات" و"أيها الساقي" و"منقاطع ما منقاطع" و"لعمري"و"مهما تكتر الاحزان" و"اجملي يا ام عمر" و"لما بيصرخ بوق الحرب" و"يا هالعرب"، هي الأغاني التي أداها كل من غسان صليبا وهبة طوجي على المسرح، في مشهدية راوحت بين الطابع الحديث والطابع التراثي وبين السياسة والعاطفة.
في الحوارات المغنّاة، كان أداء غسان صليبا هادئا، وصوته مطواعا يساير ألحان الرحابنة ويتماهى معها فيتردّد صدى خامته المتفرّدة في أرجاء المسرح، ويستدرّ تفاعل الجمهور تصفيقا، وكذا إن غنّت هبة اطوجي التي لا يعترف صوتها بالحدود، صوت ينطلق من رحم الأرض ليخترق العلياء.
وملوك الطوائف، التي جذبت إليها جمهورا تابع تفاصيلها باهتمام، تلامس في بعدها التراجيدي، الإنسان داخل كل فرد، تلاعبه بدلال طفولي وتغازل مواطن الخنوع فيه، تدعوه إلى معانقة الزمن الأول والتلذذ بألمه حتى يتمكن من مقاومة الموت، أو هكذا قد يخيل إليك وأن تتبوأ مكانا في مدارج قرطاج الأثري، بما يحمله من سرمدية ومروق عن مادية الواقع.
 

 

مقالات ذات صلة

مسرحية "تطهير" لمحمد علي سعيد.. في حشد المشاعر ...

25 اوت 2019 14:16

محمد علي الصغير- عن نص للكاتبة البلجيكية ايميلي نوثمب ودراماتوجيا

افتتاح مهرجان "راست انجلة".. حينما يرقص الشباب على ...

24 اوت 2019 12:18

يسرى الشيخاوي- هم شباب زادهم الأمل والحلم في اقتناص

الثاني من نوعه في العالم: عرض أزياء بالخزف في "أيام ...

23 اوت 2019 11:23

مروى الدريدي- تحتضن تونس من 31 أوت 2019 إلى

من النمسا إلى تونس .. الجاز حالة موسيقية عابرة للحدود

23 اوت 2019 08:30

  تسع موسيقى الجاز وإيقاعاته لتحتضن ألوانًا موسيقيّةً متعددة؛ إذ يعتبر الجاز من ...

مهرجان الجاز .. حينما يعانق صوت علياء السلامي سماء ...

22 اوت 2019 12:30

 يسرى الشيخاوي- حضورها على المسرح يتّسم بهدوء صارخ، بسيطة الإطلالة بتعابير وجه ...

الشاهد يقرر الترفيع في ميزانية وزارة الثقافة

21 اوت 2019 16:52

قسم الأخبار - قرّر رئيس الحكومة يوسف الشاهد الترفيع في ميزانية وزارة شؤون ...