25 ماي 2019 13:27

في عناق الموسيقى والشعر.. أو حينما "تحيا الحياة" في تفاصيل "لاعب النرد"

يسرى الشيخاوي-
 
تلامس أنامل العازفة "Agathe Di Piro " مفاتيح البيانو، فتنساب أنغامه الرقيقة لتغمر أرجاء ساحة المعهد الفرنسي  وتعلن بداية السفر  في تفاصيل " لاعب النرد"، لحظات من العزف المنفرد كانت كفيلة بأن تشدّ إليها الجمهور.
وفيما الجميع مستسلم للألحان التي تخلقها عازفة البيانو، تسلل ألحان القانون العذبة إذ يداعب العازف نضال جوّة ألحانه، فيأخذنا إلى الشرق الجميل، إلى فلسطين حيث ولد الشاعر محمود درويش، صاحب "لاعب النرد"، تلك القصيدة الضاربة في الوجود.
و"لاعب النرد" هو عنوان العرض الموسيقي الشعري الذي قدّمه المعهد الفرنسي بتونس في إطار تظاهرة "تحت النجوم" (Sous Les Etoiles)، وهو عرض يمكن إدراجه في خانة المسرح الموسيقي إذ تظافرت الألحان والكلمات والانفعالات والتعابير على الركح.
والتشكيل الآلي للعرض الموسيقي، لم يكن بمعزل عن "لاعب النرد" فالإيقاعات كانت تأخذ المستمع مرّة إلى الشرق وعوالمه وأخرى الغرب وثناياه عبر آلتي القانون والبيانو، وهذا التشكيل لا يخلو من خصوصية وعمق يتماهيان مع فلسفة قصيدة محمود درويش التي يقف فيها على شفا برزخ يفصل بين الحياة والموت.
ولئن كانت القصيدة في ظاهرها تتحدّث عن الحظّ ورمية النرد فإنّها في باطنها محمّلة بالتساؤلات عن الوجود والهوية،  هذه الهوية التي يبثّون فينا بعضها ونمضي عمرا في نحتها بما يتناسب مع أهوائنا، وهي التي نجدها مغشّاة بهالة من القدسية وأسوار من اللاءت لقطع الطريق أمام محاولات الانفتاح،  وفي عرض "لاعب النرد" تجلّى الجدل بخصوص مفهوم الهوية، من خلال تطويع الموسيقى الصادرة عن آلتين من عالمين مختلفين.
وعلى الركح تزاحم الشعر والموسيقى  ليعبرا عن الإنسان وعن  الهوية والأنا، وفيما تتعانق الألحان التي تنبعث من القانون والبيانو، يعتلي وليد بن سليم الركج في طلّة تشبهه ولا يشبهه فيها غيره، بشعره المجعّد ذو الخصلات المتمرّدة    ويتماهى مع القصيدة ويتقمّص دور لاعب النرد ليبعثر مشاعر الجمهور بين تفاصيلها الوجودية.
"مَنْ أَنا لأقول لكمْ.. ما أَقول لكمْ ؟.. وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ.. فأصبح وجهاً.. ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ.. فأصبح ناياً .. أَنا لاعب النَرْدِ .. أربح حيناً وأَخسر حينا.. أَنا مثلكمْ أو أَقلُّ قليلاً .."، يلقي وليد بن سليم  المقطع الأول من القصيدة على إيقاعات غربية وشرقية في ذات الآن، دون تأثيرات من أساليب غنائية غربية.
ويحدث في العرض أن تتنافر نغمات القانون ونغمات البيانو، لكنّها سرعانما تجتمع على وقع صوت وليد بن سليم، الذي تمكّن، في إلقائه للنص من تفسيره صوتا وإيحاء من خلال تطويع تقاسيم وجهه للتعبير عن معاني الكلمات.
وفي البداية، يأخذ الإلقاء منحى هادئا، ثمّ يتسارع النسق شيئا فشيئا حتّى يبلغ ذروته في مقطع من القصيدة ليس إلا أفعالا قي صيغة الضمير المتكلّم المفرد، تترجم تفاعل الإنسان مع الحياة.
"أمشي.. أهرولُ.. أركضُ.. أصعدُ.. أنزلُ.. أصرخُ.. أَنبحُ.. أعوي.. أنادي.. أولولُ..  أُسرعُ..  أُبطئ.. أهوي.. أخفُّ.. أجفُّ.. أسيرُ..  أطيرُ .. أرى.. لا أرى..  أتعثَّرُ.. أَصفرُّ..  أخضرُّ..  أزرقُّ.. أنشقُّ.. أجهشُ.. أعطشُ..  أتعبُ.. أسغَبُ.. أسقطُ.. أنهضُ.. أركضُ..  أنسى.. أرى.. لا أرى.. أتذكَّرُ..  أَسمعُ..  أُبصرُ..  أهذي.. أُهَلْوِس.. أهمسُ.. أصرخُ.. لا أستطيع..  أَئنُّ .. أُجنّ .. َضلّ.. أقلُّ.. وأكثرُ .. أسقط.. أعلو .. وأهبط.. أُدْمَى.. ويغمى عليّ.."، يسرد بن سليم الكلمات دون غناء ولكنّه يلبسها روحا مفعمة بالأحاسيس التي تصور لك الأفعال التي أتيتها طيلة حياتك جمعاء.
وفيما ألقى بعض المقاطع دون غناء فإنّه كان يطوّع بعض الكلمات على شاكلة جمل موسيقية يؤدّيها بإحساس لافت، عاضدته الموسيقى لتعبّر عن عمق الإيحاءات الكامنة في قصيدة " لاعب النرد".
"في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ.. لنشيد الوداع.. على مَهْلِكِ اختصريني.. لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع.. وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ :تحيا الحياة !"، صدح صوت بن سليم بكلمات محمود درويش، وفي ساحة المعهد الفرنسي يغازل نضال جوة أوتار القانون وتناجي "Agathe Di Piro " البيانو لتسير الموسيقى في نسق غير حّي تماما كالحياة والوجود، وتتناثر الألحان كالنرد مراوحة بين الهدوء والاضطراب، و"تحيا الحياة" في تفاصيل " لاعب النرد".
وفي" لاعب النرد"  اللغة سهلة والمفردات إيقاعية غنائية، ولكنها تحمل في طياتها فلسفة وجودية، وبعضا من التصوّف، وتدقيقا في تفاصيل الوجود المعميقة وحتى التي يراها البعض سطحية، وايغالا في البحث عن الهوية ترجمته الموسيقى الانفعالات الجسدية للعازفين والمغنّي على الركح.
وبين الكلمات، والألحان المراوحة بين سحر الشرق والانفتاح على الغرب، كان عرض " لاعب النرد" مقاربة شعرية موسيقية للحياة ولمصير الإنسان بما يحمله من انتقال بين الحالات الوجودية والانفعالات والتفاعلات.

مقالات ذات صلة

حازم كمال الدين.. فنان يستنطق الحياة على تخوم الموت

19 جوان 2019 17:18

يسرى الشيخاوي-   هو إنسان يحمل بين ضلوعه قلبا أعظم من الحياة نفسها، قلبا يضخ أملا ...

هنا "حلمة".. في الأرض موسيقى وفي السماء نور

17 جوان 2019 19:36

يسرى الشيخاوي-  "ابق عينيك على النور لتعبر كل هذا الظلام"، مقولة قد تتبادر إلى ...

مهرجان "حلمة": إنّما الحياة حب وحلم

15 جوان 2019 13:08

يسرى الشيخاوي- " قف على ناصية الحلم وقاتل" كلمات للشاعر محمود درويش، تعبّر عن ...

أبرز ملامح الدّورة 55 لمهرجان قرطاج

08 جوان 2019 13:16

قسم الأخبار- كشف مدير مهرجان قرطاج الدولي مختار الرصاع، امس الجمعة،

جمعية البعد السابع تشرف على تنظيم المهرجان الدولي ...

07 جوان 2019 14:17

حقائق أون لاين- من المنتظر ان تشرف جمعية البعد السابع على تنظيم المهرجان الدولي ...

عرض "التريبونال": عن السردية الفنّية للذاكرة ...

03 جوان 2019 14:16

يسرى الشيخاوي-    سنة مرت على انطلاق عمل الدوائر الجنائية المتخصّصة في العدالة ...