27 افريل 2019 21:06

واذا عاملات الفلاحة سئلن بأي ذنب قتلن

يسرى الشيخاوي-
 
 
هن نساء، ينتمين لبلد قيل إنه يحفظ حقوقهن، ولكن يبدو أن هذه الحقوق صورية تتلاشى كل ما اقتربنا من حدود الفقر، فلا تظهر منها إلا أخيلة هلامية يزعمون أنها قرارات لتأمين المرأة الفلاحة.
 
عاملات فلاحيات لا ذنب لهن سوى أنهن ينحدرن من مناطق ريفية لا تعدو أن تكون إلا رصيدا انتخابيا زمن التشريعيات والرئاسيات.
أمهات، يودعن اولادهن قبيل إشراقة الشمس، ليعدن مساء ببعض الدنانير، امهات لن يشملهن التمديد في عطلة الأمومة وما لف لفها، لأنهن رموا بأنفسهم في أتون استغلال الفلاحين لينشدوا بعضا من كرامة العيش لابنائهن.
 
ينهضن في ساعات الفجر، يرتبن فوضى الواقع ويتلون بعض الوصايا على أبنائهن ويركبن شاحنات الموت في اتجاه الأراضي الفلاحية، يتشبثن بجوانب سيارة "الايسوزي" في الخلف، ويذكرن اسم الرب كلما اهتزت أو اوغلت في الحفر.
 
حوادث شاحنات الموت تتكرر بتجليات مختلفة وتظل الضحية نفسها، العاملة الفلاحية التي تعيش على أمل أن ترمقها الدولة بنظرة ود وتموت ولا يتغير واقع مثيلاتها، حتى يصير الأمر أشبه بمهزلة تبرع الدولة والحكومات المتعاقبة في رسم معالمها بوعود فضفاضة وواهية.
 
رقادة والفحص ومنوبة، وباجة والنفيضة والقيروان، والسبالة صباح اليوم، مناطق سالت فيها دماء العاملات في قطاع الفلاحة وخضبت طريق أخريات إلى لقمة العيش.
كثيرا ما تتكرر حوادث "شاحنات الموت" وكثيرا ما تعقبها وعود من الدولة بتقنين هذا القطاع وتأمين حياة العاملات فيه، ولكن حادث منطقة السبالة التابعة لولاية سيدي بوزيد يعد الأعنف والاكثر وجعا، حادث اختلطت فيه أشلاء العاملات بقطع الدجاج التي تقلها شاحنة أخرى.
 
12 حالة وفاة، 12 عائلة غاب عنها دفء الأم، 12جنازة، عدد الجثث يمكن حصرها وإحصاؤها ولكن الوجع ممتد ما امتد إهمال الدولة لابنائها، وماامتد جشع أصحاب الأراضي الفلاحية وماامتدت لا مبالاة السلطة وانتهازية الباحثين عن الكراسي.
 
أكثر من 22 حالة وفاة و450 جرحى من النساء العاملات نتيجة ظروف النقل غير الآمنة، رصدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال الأربع سنوات الأخيرة.
 
عاملات سيوارين الثرى، وسيسكت البواكي وستعود الوعود الى رفوفها، تماما كما حصل مع بروتوكول اتفاق حول نقل العملة في القطاع الفلاحي.
 
وفي الرابع عشر من أكتوبر من سنة 2016، وبمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة الريفية بشعار "من أجل ضمان العمل اللائق والتغطية الاجتماعية للنساء في المناطق الريفية"، وقعت وزارة المرأة والأسرة والطفولة والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية بروتوكول اتفاق بهدف وضع كراس شروط ينظم نقل العمال والعاملات في القطاع الفلاحي  بما يحمي النساء العاملات في هذا القطاع من المخاطر المحيطة حاليا بعملية نقلهن إلى مواقع العمل والعودة منها.
 
ولكن يبدو أن هذا البروتوكول وغيره من القرارات لن يجد طريقه الى التطبيق على أرض الواقع. 
 
والى يومنا هذا تعاني النسوة حوادث الطرقات وتدفعن حياتهن ودماءهن في مواجهة سياسة الوعود الزائفة، ويبدو اننا سنتساءل مرارا "بأي ذنب قتلن"، سؤال يتردد صداه ليرتد عند عتبة دولة لا تبالي بأبنائها.

مقالات ذات صلة

مسلسلات رمضان 2019.. سمات وهنات

21 ماي 2019 10:37

محمد البرجي- بعض الملاحظات التي تكونت

مدارات التخبط الاخواني و مسارات البحث عن اعداء وهميين

18 ماي 2019 20:56

 بقلم: محمد صالح العبيدي لا تنبت عقيدة الاسلام السياسي الى من تربة الشك ، و لا ...

التنظيمات الاخوانية و السلطة.. اما البقاء أو القتال

07 ماي 2019 22:25

محمد نعمان- ليس غريبا على اردوغان تثبيت اصراره على اعادة الانتخابات البلدية ...

الكاميرا الخفية الرمضانية من "سخرية الموقف" إلى ...

05 ماي 2019 16:07

بقلم: أمين بن مسعود- هو "رمضان التلفزيوني Le Ramadan télévisé " كما أسماه الدكتور العربي ...

هل أتاكم حديث الوطن الذي يأكل أبناءه؟

27 افريل 2019 16:34

بقلم: خولة بن قياس اختلطت دماؤهم بدماء الدجاج، واختلطت دموع الحزن والصدمة بصرخات ...

جغرافيا الأزمة في ليبيا .. أمراء الحرب وصراعات ...

24 افريل 2019 13:51

بقلم محمد صالح العبيدي- تنطلق الأزمة الليبية أساسا من اضطراب الشخصية