28 مارس 2019 20:01

القصرين تتحدى الإرهاب والمرض بالمسرح والموسيقى

 خولة بوكريم-

 
جبل مغيلة من ولاية القصرين بالوسط الغربي لتونس، مكان شهد على عديد الأحداث الإرهابية، آخرها جدت الأسبوع الماضي، حيث خطفَ ستة أشخاص من قبل مجموعة إرهابية داخل عمق المنطقة العسكرية المغلقة بالجبل.
 
ليس هذا فحسب فلطالما سكاّن هذه المنطقة عانوا عقودًا من التهميش وغياب التنمية،  ومن مكوث الإرهابيين في جبالها الممتدة، سيما جبل الشعانبي أعلى نقطة في الجمهورية التونسية. 
 
وأرعب الأهالي عدة مرات بعد تواتر عمليات اختطاف أبنائهم وإرسال رؤوسهم مقطوعة إلى أمهاتهم، حتى يقول هؤلاء أحذروا من أن تحييوا بسلام فنحن لكم بالمرصاد..
 
وكأن الإرهاب لم يكن كافيا حتى ينتشرَ وباء الحصبة كالنار في الهشيم في منطقة القصرين ويحصد عديد الأرواح وصلت إلى 25 شخصا بين أطفالا وشباب. 
 
لكن هذا الرعب والفزع والحزن على فقدان الأعزاء  لربما كانت كلها عوامل محفزة على تمسك متساكني القصرين لاسيما شبابها بالحياة والأمل، فانغراس هذه الصورة القاتمة في وجدانهم  لم يمنع من انعقاد الدورة الثالثة لمهرجان ن الشباب الذي تنظّمه جمعية الفن السابع من الثاني والعشرين الى الثامن والعشرين من مارس الجاري بولاية القصرين.
 
شباب الجهة بدى مهووسا بشدة،  بالمسرح والرقص والغناء،  قدم لوحات فنية خلال الأيام الأولى للمهرجان على ركح المركب الثقافي للقصرين، متحديًّا كل الظروف الأمنيّة الصعبة، بما لديه من تجهيزات وإمكانيات متواضعة، استغلَّ الركح والموهبة، وقرر أن يصنع إبداعا بديلا يعبر عنه هو فقط، عن البيئة والعمق والتاريخ، عن حكايات المنطقة وأبطالها الخرافيين.
 
على أصوات الأجهزة الا سلكية لرجال الأمن يشاهد الجمهور المسرحية دون قلق..
 
أولياء مرفقين بأبنائهم الصغار أتوا خصيصا من كل ربوع القصرين ولم تحل بينهم وبين المسرح الظروف الأمنية المتوترة بالمنطقة. قدم هؤلاء لمشاهدة  أوبيريت "عالية"، التي  كانت العرض الثاني خلال فعاليات المهرجان.
 
 
هذه الملحمة التراثية الرومانسية جذبت متساكني الجهة ولم يترددوا في قطع التذاكر ودخول العرض، كانت القاعة مليئة بالناس وبرجال الأمن على حد السواء كان مشهدا سرياليا لا تستطيع مشاهدته إلا في القصرين، تلك الجهة المميزة بكل تناقضاتها المؤلمة والباعثة على الأمل كيف لا ونحن في منطقة يحاصرها الإرهاب من كل جانب ولربما يخطف طفل أو امرأة في أي لحظة ، أو تتم مداهمة أحد المحلات والمنازل من قبل الإرهابيين بحثا عن مواد تموينية أو رهينة يذلون بها عنق الدولة..
 
أوبريت عالية التي استهل بها اليوم الثاني للمهرجان، كانت ملحمة رومانسية تراثية قدمها أربعون ممثلا على ركح المركب الثقافي بالقصرين عارضين من خلالها قصة حب بين جميلة القبيلة "عالية"، و"عياش" الشاب الغريب القادم من بلاد بعيدة.
 
هذا الحب الذي جوبه بالمقاومة من أبيها ومن أبناء عمومتها، جسّد بأبهى صورة عبر لوحات فنية راقصة وأناشيد قصرينية ضاربة في عمق التاريخ والتراث.
 
رغم محدودية الإمكانيات اللوجستية كانت العروض ناجحة جماهريا
 
بالرغم من الإمكانيات المحدودة لمنظمي المهرجان علَّ أبرزها غياب تقنية الصوت الواضح. حيث كان الممثلون على الركح يجسدون أدوارهم ويتحدثون دون ميكرفون، لكنهم حاولوا ايصال ما بجوارحهم بصرخات محملة بالرسائل العميقة، وقاوموا بأصواتهم فقط كل المعرقلات الجانبية،  ونجحوا فعلا في التغلب على كل مصادر التشويش ونالوا رضاء الجماهير وتصفيقهم.
 
في اليوم الثالث كما في اليوم الثاني من فعاليات المهرجان، كان سوء تركيب تقنية الصوت خلال العرض الموسيقي بعنوان "إلكترو بطايحي" عاملاً مزعجا للتشويش للعارضين مما اضطر قائد الفرقة وعازف الكمان زياد الزواري،، إلى الاستئذان من الجمهور لبضع دقائق حتى يتم حلحلة مشكلة الصوت.
 
مرت 10 دقائق وعاد العرض المتكون من عشرين فنانا كان العديد منهم من شباب القصرين وغيرها من مدن و ولايات مختلفة في تونس، بين عازفين ومغنين أتوا من زغوان،  تستور، صفاقس، ماطر ومدنين.
 
لم تهدأ القاعة من أصوات التصفيق وانسجام الحضور على وقع الألحان العذبة والأصوات الشجية للفرقة، ألحان تراثية معادُ توزيعها بشكل حديث، تحملك نغماتها إلى عالم آخر، تسافر به خارج ربوع القصرين المحاصرة بشبح الموت أو ربما يجعلك تعلم بقصرين أحلى من تلك التي تخلت عنها الدولة، وتركتها وحيدة تجابه وباء الحصبة وتقاتل الإرهاب..
 
هذا المهرجان الشبابي ربما لو لقي دعما أكبر وإمكانيات أوفر لعانق العالمية ولكان سببا في إشراق القصرين واشعاعها على محيطها الوطني والإقليمي.
 
إنها ولاية تونسية لا يعوزها شيء سوى التفاتة جدية من الدولة، التي ربما قد نست أو تناست أن هذه المنطقة الجغرافية خاضعة لحكمها الذاتي، منطقة زاخرة بثروة بشرية حقيقية ليس لحيوتها وتفردها مثيل،  علّ المواهب الفنية التي تم اكتشافها خلال هذا المهرجان الوليد،  تكفي أن تصنع منها منارةً وعاصمةً للفن والثقافة  بالوسط الغربي التونسي.
 
 
 
 

مقالات ذات صلة

"وما ملكت..." .. في سبيل الارتقاء بالانسانية ...

28 اكتوبر 2020 13:30

 يسرى الشيخاوي-    "وما ملكت..." .. في سبيل الارتقاء بالانسانية المعذّبة

الكريديف يفتح باب الترشحات لنيل الجائزة الوطنية زبيدة ...

27 اكتوبر 2020 12:21

الكريديف يفتح باب الترشحات لنيل الجائزة الوطنية زبيدة بشير: الأصناف والشروط

"وردة الرمال".. نبش في مرض التصلب العصبي المتعدد

25 اكتوبر 2020 14:30

 يسرى الشيخاوي-  أحيانا يتجاوز المسرح الفضاء الابداعي الذي يشهد ميلاد عمل فني ...

الكاف تتحدّى " كورونا".. عين على "أولمبياد ...

23 اكتوبر 2020 13:40

يسرى الشيخاوي- الكاف تتحدّى " كورونا".. عين على "أولمبياد الكليم الكافي"

الثقافة زمن الوباء.. حينما يرسم حمدي مجدوب طريقا ثالثة

23 اكتوبر 2020 13:10

 يسرى الشيخاوي-  الثقافة زمن الوباء.. حينما يرسم حمدي مجدوب طريقا ثالثة

حكايات "الموجيرة والري"..

22 اكتوبر 2020 13:40

 يسرى الشيخاوي-   حكايات "الموجيرة والري"..