26 مارس 2019 12:36

أورويل في شارع الحبيب بورقيبة: ثلاثيّة الموت والسذاجة و الديمقراطية الواهية

رياض عمايرة-

عام 1949 نشر الصحافي والروائي البريطاني جورج أورويل روايته الأشهر "1984" التي تعد واحدة من أهمّ عناوين الأدب العالمي قيمة وانتشارًا ، وقد تحدّث فيها عن المخاطر الكبيرة التي تهدد المجتمعات بسبب تسلّط الأنظمة الشمولية واحتكارها لمختلف جوانب الحياة وإفقادها للنّاس نكهة العيش في بلدانهم. وقبلها بأربع سنوات ، صدرت روايته الأخرى "مزرعة الحيوان" وفيها يصف أورويل التراجع الكبير للاتحاد السوفياتي في ظلّ صعود الستالينية.
 
منذ أعوام قليلة صدرت عن دار الآداب رواية "أورويل في الضاحية الجنوبية" للروائي اللبناني فوزي ذبيان ، ويعدّد فيها هذا الأخير حالات التهميش والاستغلال التي يعانيها جزء من شباب الضاحية الذين تمر عليهم الأحداث المتسارعة مرور الكرام في ظلّ هيمنة الايديولوجيا الواحدة والرّجل الواحد (رجل الديمقراطية والسياسة) على المدينة وصناعة مشهد أحاديّ لا يُرى كلّ من هو خارجه ، مما يؤدي إلى بروز ظواهر سلبية جمّة في الأوساط الشبابيّة.
 
الجامع بين كل الأعمال المذكورة هو إمكانية تصنيفها في خانة "أدب الديستوبيا" أو ما يسمى بأدب المدينة الفاسدة ، فكل الأماكن المتضمنة للحكايا والشخوص كانت تتّسم بسلبيّتها وفسادها وخرابها.
 
وأنا أتذكّر هذه العناوين الثلاثة ، تخيّلتُ للحظة أن أورويل عاش في تونس وعايش فئاتها المهمّشة لأيّام، خاصة هذه الأيام. وتساءلت ، ماذا كان سيكتب ؟ وأيّ ديستوبيا سيتحدّث عنها ؟!
 
ليس في الأمر مبالغة قطّ ، ولئن كنّا نعترف أنّه في تونس هناك مناخ ديمقراطيّ ما - ولا منّة للحاكمين على الشعب فيه- فإنّه يتوجّب علينَا أيضا الحديث عن تونس الحالية دون مواربة أو طمس للحقيقة وخاصّة دون نزعة تفاؤليّة بعيد و عن الواقع. ففي ظلّ حكم الائتلاف الاسلاموي الحداثوي بقيادة النهضة و نداء تونس ومن معهم صارت تونس أشبه ب "المزرعة" التي تحدّث عنها أورويل.
 
المشهد التونسي أضحى قاتمًا للغاية ، في ظلّ استشراء الفساد والتلاعب والبذاءة وصعود التفاهة والانتهازية إلى المشهد بشكل لا يُطاق. وحتّى لا يكون الحديث هراءً علينَا الاستناد إلى حجج وأمثلة من الواقع. وهنا لا بدّ من التركيز على ثلاث نقاط كبرى ، لأنّه إذا قمنا بمعاينة جادّة للوضع فسنجد أنّ الفظاعات عصيّة على الاحصاء.
 
** مافيا الإعلام ؛ التنقيب على السذاجة **
 
يملك جهاز الإعلام قدرة رهيبة على صناعة الرأي العام والتأثير على كافة شرائح المجتمع. وإن نظرنَا إلى التاريخ الحديث فلن نستطيع عدّ المتغيرات التي فرضها خبر صحفيّ أو حوار تلفزيّ في مجتمع أو بلدٍ أو استحقاق ما. فكم من رئيس جاءت به الصحافة إلى الحكم ، وكم من جلّاد صار ضحيّة ، وكم من ضحيّة باتت جلّادًا ، وكم من عاديّ صار نجمًا ، وكم من كذبة استحالت حقيقة بسبب علكها الكبير في المطابع والاستوديوهات.
 
وإذا نظرنَا إلى اللّحظة التونسيّة فقد لا نستوعبُ حجم الجرائم التي ارتكبها الإعلام في حقّ الثورة التي حرّرته وأطلقت لسانه (وهنا لا فضل لأحد على أحد لأنّ الحريّة استحقاق وطنيّ تقدّميّ).
 
الجريمة في هذا المقام هو ما يُمرّر في الإذاعات والقنوات التلفزية لا سيما الخاصّة منها ، برامج هزيلة ، نكات ساذجة بغية الإضحاك ، اعتداء على قيم اجتماعيّة متفق عليها. ولنأخذ مثلا صورة المدرسة التي تمّ تمييعها بإفراط وسلبها رمزيّتها عند المتلقّي.
 
الصحافة باتت اليوم مصنعًا لنجوم لا يستحقّون النجوميّة . فالبلاتوهات التلفزيّة تعجّ بأشباه الفنانين و بأشباه الكوميديّين وبمن لم يجدوا عملًا يمتهوننه فسقطوا في أحضان شركات الانتاج المتلهّفة للمال والمعتمدة لكل الوسائل والأساليب من أجل الحصول عليه.
 
الأخطر من كلّ هذا هو أنّ المادّة الرّديئة المقدّمة تساهم في تشكيل نموذج مجتمعيّ بالٍ. فمجتمع اليوم في أغلبه مجتمع بلا ثوابت وبلا روح ، مجتمع استهلاكيّ مٌصاب بحداثة معطوبة روّجت لها "قنوات الصرف الصحّي".
 
و الصراع الهووي الزّائف بين أحزاب الحكم - أي بين طرف يتاجر بالاسلام و طرف يتاجر بالحداثة- انتقلَ إلى طيفٍ كبير من المجتمع التونسي وصرنَا نلاحظ وقعه في الشارع نظرًا لأنّ أصحاب هذا الخطاب البائس هم أنفسهم أصحاب القنوات الاعلاميّة الخاصّة.
 
** الموت اليوميّ وآكلة لحوم البشر **
 
يستيقظُ التّونسي يوميّا على حالاتِ موتٍ مختلفة ومرعبة ، حتّى صار الموت أمرًا عاديّا وأكثر. وهنا لا نتحدّث عن الموت الطبيعي ، فواقعة وفاة أطفال الرّابطة جريمة في حقّ الطفولة ، و وواقعة قتل المواطن الايفواري في أحد الأحياء جريمة في حقّ الانسانيّة ، و حالات القتل و السرقة والاغتصاب والحرق والسّلب التي تطلّ علينَا كلّ لحظة ليست أخبارًا آتية من كوكب بعيد ، وعصابات تجارة الأدوية والمخدّرات و تجارة الأسلحة ليست حكايا مقتبسة من الروايات. فكلّها من صميم الواقع التونسي المزري وكلّها قد تورّطت فيها وجوه سياسيّة معروفة صعدت إلى المشهد بفضل المال الفاسد. هذه الوجوه يمكن وصفها بالحيتان الكبرى أو آكلي لحوم وقلوب البشر من مواطنيهم .
 
هذا الواقع الديستوبي أدّت إليه المضامين الإعلاميّة التي يسيطر عليها نفس رأس المال الفاسد بمعيّة شركات لا غاية لها سوى مراكمة الأرباح والاستثمار في الميوعة. وهذا الخطاب الاعلاميّ الانتهازيّ لا يغذّي غير اليأس والاحباط ولا يتسبّب إلّا في فراغ ذهني يُملأ في ما بعد بالتخطيط للابحار خلسة نحو أوروبا والموت في عرض البحر أو بالتخطيط للهجرة نحو بؤر الارهاب و الموت في جبهات القتل. 
 
ليصحّ بذلك قول المتنبّي إذا نزّلناه في السياق التونسي : "تعددت الأسباب و الموت واحد". فالتونسي يموت حقيقة أو مجازًا ليستثمر في موته هؤلاء البائسون الطامحون لثروة أو منصب جديد مستغلّين السبات الشعبي العميق (رغم الضجيج) بسبب سياسات الاغواء الاعلاميّ المنتهجة.
 
** ديمقراطيّة واهية **
 
نجحت ثورة 17 ديسمبر - 14 جانفي في الاطاحة بديكتاتورية بن علي ، ورغم بعض المحاولات التي حصلت في ما بعد من مافيا الحكم لإلجام الأصوات المعارضة بأساليب مختلفة منها حملة الايقافات ضدّ شباب الحراك الاجتماعي ، إلّا أنّ مكسب الحريّة الذي تحقق باتَ ميزة للمشهد التونسي إذا قارنّاه بمحيطه العربي .
 
لكن الديمقراطية لا قيمة لها إذا وُجدت في مجتمع يطغى عليه الفساد وتتحكم فيه عصابات تتاجر بالدم التونسي و ببضاعة مختلفة كالاسلام و الحداثة وغير ذلك.
 
يوميّا نصيح ونحتجّ ونعلن غضبنا من الواقع التعيس الذي فرضوه علينَا ، لكن لا أحد غيرنا سيسمع صراخنا ولا وسائل إعلام موضوعية كي تتناقل صيحاتنَا. فكلّما علا صوتٌ مختلف إلّا و أوجدوا خرافة ما ليتداولها الشعب فترة ثم ينتقلوا به إلى أخرى كي ينسى.
 
هذا النموذج الديمقراطي القطيعي (من قطيع) لا يمكن أن يمتّ بصلة للديمقراطية الحقيقيّة ، بل هو مظهر آخر من مظاهر الخديعة التي وقعنا فيها. الخديعة أن تسلب حقوقنا وينهار الاقتصاد و يزداد الموتُ فينَا ومقابل ذلك لا نملك إلا الصراخ الذي لن يسمعه غيرنا.
 
تحالف الفساد والقتل وصناعة الرّداءة جعل تونس مكانا شبيها بأمكنة أدب جورج أورويل . ولنتصوّر للحظة أن هذا الأخير كان يعيش معنَا ،ولنتخيّله وهو يشرب قهوته في شارع الحبيب بورقيبة . عندها ربّما كان سيكتب عنّا رواية يتحدث فيها عن ثلاثية الموت والسذاجة والديمقراطية الواهية !
 
 

مقالات ذات صلة

أيّة أعلمة لقضايا التنوع الثقافيّ ؟

03 افريل 2019 13:30

 بقلم: أمين بن مسعود   إن كان التنوع في الطرح الفلسفي يعني تعدّد ...

أنفلونزا الدخولية لدى "اليسار المريض" ببلادنا: ...

03 افريل 2019 13:02

بقلم:رفيق الزغيدي  في الليلة المفصلية والفاصلة بين 8 و9 جانفي 2011، سقط عدد كبير من ...

النهضة و فوبيا الاستئصال

28 مارس 2019 17:13

عبد الجليل عمائرة-  لا تخرج حركة النهضة التونسية عن دائرة الإسلام ...

الديبلوماسية الجزائرية في تسلل سياسي

23 مارس 2019 20:49

 بقلم: نادية المسغوني- يَشهدُ تاريخ الثورات أنّ التحولات الديمقراطية في العالم ...

رأي/ المعطلون عن العمل في تحركات يومية والسلطة الحاكمة ...

08 مارس 2019 14:42

حسيب عبيدي-  تشهد مناطق مختلفة من الجمهورية تحركات احتجاجية مطالبة بالتشغيل ...

النّوري الصّل.. عنوان مظلمة جديدة في إعلامنا!

07 مارس 2019 13:31

 محمد علي الصغير -  ما حدث مع الصحفي النّوري الصّل، رئيس تحرير جريدة الشروق ...