04 فيفري 2019 12:06

أوبيريت عالية: حينما تخلّد الفنون ملحمة عشق

يسرى الشيخاوي-

تزخر الذاكرة الشعبية التونسية بعدّة حكايات عن الحب والعشق، حكايات يتوارثها الأبناء عن آبائهم وينقلوها شفويا من جيل إلى آخر، ملاحم خاضها العشاق في سبيل الوصل، خالفوا التقاليد ولم يعبؤوا بالأهوال وراموا الشهادة في سبيل الحب.
 
وفي أعماق الذاكرة الشعبية لولاية القصرين، حفرت "أوبريت عالية"، ونسجت من خيوط قصّة واقعية عرضا تماهت فيه فنون مختلفة لتخلّد ملحمة عشق.
 
و"أوبريت عالية"، فضاء اجتمعت فيه شخوص ولدت من رحم الذاكرة وأحداث ممتدة في عمق الجهة، هي محاكاة فنية لواقع البنى المجتمعية في بيئة قبلية، هي مشاهد درامية موشّحة بالتراث أنتجتها جمعية البعد السابع وأخرجها الطيب الملايكي.
 
قد مات شهيدا من مات على دين المحبوب
 
يقول الشاعر نزار قباني في "قارئة الفنجان" قد مات شهيدا من مات على دين المحبوب، وفي أبريت عائدة يجسد أربعون فنانا أحداثا تنتهي إلى شهادة "عالية" و"عياش" في سبيل حبّهما.
 
"عالية" ذات الحسب والنسب بلغت عمر الزواج وكان محلّ خلاف بين أبناء عمومتها " حطّاب" و"ذياب" ولم يكن قلبها يميل لأي منهما، كان تنتظر فارس أحلامها الذي قدم إليها على مطية الموت فسقته الماء من  قلّتها وبثّت فيه الحياة من جديد.
 
كان تائها وضمآنا، روته فهام بحبّها وتاه في دروب عينيها، بادلته الهيام ومضيا يسلكان سبيل التيم ولكن "عيّاش" غريب وتقاليد قبيلة " عالية" تحرّم الزواج من الغرباء، ولم يكن ذلك بسبب مقنع ليرضخا للوعة الهجر، ظلّا يلتقيان سرّا حتّى فضح أمرهما وصارا حديث  أهل القبيلة، وغضب شيخ القبيلة من ابنته ولم يعف لها "زلّتها"، وهو الذي فتح "مزاد" خطبتها".
 
وفيما يمني الأب نفسه بصهر من فرسان القبيلة، يتصارع " حطّاب" " ذياب" على قلب " عالية" التي تسرق من الزمن لحظات وصال مع حبييها " عيّاش"، لحظات أحصوا فيها الأشواك التي تكسو سبيلهما لينتهيا إلى ضرورة الهروب من القبيلة إلى مكان تنتفي فيه كل الفوارق.
 
"عالية" تستجدي الصفح من والدها وتعلمه أنّ قدمها لم تحد عن السراط المستقيم وأنّ كل ما في الامر أنها عشقت غريبا، هي لم تقتنع أنّ ما فعلته لا يتماشى مع أعراف القبيلة وتقاليدها، وفي غمرة احتفاء شيخ القبيلة بصابة من المحصول تحمل عجوز النبأ اليقين إلى "عالية" كان ملغزا لكن قلب الحبيبة فكّ كل الشيفرات.
 
وبتوقيت العشق أطلق الديك صياحه الأخير وتوجّه "عالية" إلى العين" حيث ينتظرها "عيّاش" ولكنّها لم تجده وجدت الأسد الذي حذّرها منه، وحينما حلّ الحبيب كان نصفه قد استقر في بطن الأسد، وماتت "عالية على دين " عياش"، ومات عيّاش على دين "عالية"، بطعنة من "حطاب" الذي لم يرق له أن يثأر غريب لابنة عمّه ويأتي حاملا رأس الأسد فيما عجز رجال القبيلة عن ذلك.
 
حينما تخلّد  الفنون ملحمة عشق
 
وملحمة العشق التي خطّت عالية معالمها، حتّى صارت حكاية يتدوالها الأهالي في القصرين، خلّدها الرقص والموسيقى والتمثيل، فكان ركح مسرح الجهات بمدينة الثقافة فضاء زينه الطابع الفرجوي واللمسة المشهدية.
 
وعلى المسرح تواترت اللوحات الفنية التي كانت مترابطة ومتناسقة، ولم يكن عرض "أوبريت عالية" مجرّد عرض موسيقي يروي قصّة واقعية بل سعى الطيّب الملايكي إلى جعلها لوحة فنيّة تتباهى فيها البصمة التراثية مع اللمسة العصرية لتحلّق الذاكرة الشعبية خارج حدود القصرين.
 
وفي العرض حضرت الملابس التقليدية،"الحولي" و"الحرام" و"مراول فضيلة" و"الجبة"، وغطاء الرأس الموشح بالورود، وتزين الركح بألوان الحياة، والعمل الفني الذي دامت تدريباته سنة كاملة، حوّل أصل العرض أي حكاية "عالية" إلى سلسة من اللوحات تسرد وفقها الأحداث تباعا.
 
صراع "حطاب" و"ذياب"، و لحظات الغزل بين "عياش" و"عالية" والبحث عن "عالية" والعويل والنحيب لفقدانها والمواجهة بين اهل القبيلة والأسد  أحداث تحولت كلها إلى لوحات راقصة امتزجت فيها الخطوات البدوية بالخطوات العصرية.
 وخطوات الرقص، وحركات الممثلين على الركح تسير وفق منحى الايقاعات التي تنبعث من الطبول والأنغام التي تنبعث من "القصبة" لتعلن في كل مرة عن رحلة جديدة في ثنايا التراث الغنائي من "هزي حرامك" إلى "زعرة مصقولة الناب" و"راني مضام".
 
وبعد كل إيغال في عمق الذاكرة الشعبية يعود العرض بالجمهور إلى الحاضر من خلال مقاطع موسيقية غربية، تتماشى معها أجساد الراقصين وتتلوى على وقعها، تتمطط وتتقلص وتتحرر من الجاذبية.
 
"خيالك مفقود هالعالية..واندادك في الجحفة قعود"، يغني الطفل عبدو الصالحي بصوت تجاوز مداه مسرح الجهات، صوت تشكّ انه يخرج من جسد طفل صغير ، صوت عميق حاد ونقي في ذات الآن، صوت يأخذك إلى عالم غير هذا العالم.
 
وانت تشاهد العرض لن تنتبه إلى وجود عازفين في الخلف انت فقط ستمعن النظر في حركات الراقصين والممثلين وهم يكيفونها مع الايقاعات، مع إضاءة راوحت بين الابيض الشفاف الذي يحيل إلى البخور الحاضر بكثافة في الذاكرة الشعبية وبين الأحمر الذي يحيل إلى تغيرات في منحى الاحداث.
 
وفي اوبيريت عالية تظافرت الصور والكلمات والخطوات والنغمات والايقاعات، ليتولد عنها عرض فرجوي متماسك الحلقات.

مقالات ذات صلة

كان مبرمجا اليوم: الاحتلال الصهيوني يتسبب في إلغاء حفل ...

17 افريل 2019 10:36

قسم الأخبار- كشفت إدارة "مهرجان الكامنجاتي - رحلة الروح " عن الغاء عرض ...

رحيل الفنان المصري محمود الجندي

11 افريل 2019 08:24

قسم الاخبار- توفي الفنان المصري الكبير محمود الجندي عن عمر ناهز 74 عاما، بأحد ...

الفنان عبد الرزاق قليو في ذمة الله

06 افريل 2019 15:23

حقائق أون لاين-  توفي اليوم السبت 6 أفريل 2019، الفنان الشعبي عبد الرزاق قليو، ...

روى قصة وطن غيرت وجهه الحرب: الكاتب اللبناني سليم بدوي ...

04 افريل 2019 12:25

حقائق أون لان- يشارك الكاتب اللبناني سليم بدوي في معرض تونس الدولي للكتاب، بكتابه ...

المسرح في عيون الإعلاميين والمسرحيين

03 افريل 2019 22:18

رشاد الصالحي- أسدل الستار على المهرجان الدولي 24 ساعة مسرحا في دورته 18 بمشاركة ...

"بيدون 3.. ديما لقدّام" أو المباشرتية المربكة

02 افريل 2019 16:41

يسرى الشيخاوي- "بيدون3.. ديما القدام" فيلم للمخرج الجيلاني السعدي، وهو مواصلة ...