من الذاكرة الوطنية: المرحلية البورقيبية في مسار إعلان الجمهورية التونسية (دراسة تاريخية)

972
a_45_rnej7q3_.jpg_.jpg

تهدف هذه الدراسة التاريخية التي أعدّها الدكتور فتحي ليسير أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية إلى رصد خلفيات إعلان الجمهورية في تونس وخفايا هذا الحدث وذلك من خلال تعقّب أهمّ ملامح التمشّي المرحلي البورقيبي في إقرار النظام الجمهوري أثناء الفترة الممتدة بين 1956 و جويلية 1957، وهي فترة من الزمن فاصلة و واصلة.

هي فاصلة باعتبار أنّها دشّنت عهدا جديدا فارقا في تاريخ البلاد تميّز بوضع مداميك الدولة الوطنيّة الناشئة، وإرساء مؤسسات السيادة و تحديث المجتمع، و لكنّها واصلة اعتبارا إلى أنّها لم تشكّل سوى طور ضمن سيرورة تحريريّة و تحديثيّة بدأت فصــولها مع اختمــار الحركــــة الوطنيّة على عهد الحماية و اشتداد عودها، و تواصلت بعد الاستقلال السياسي للبلاد على هيئة إصلاحات عدّة .سيرورة وسمها الحضور الطاغي لبورقيبة بميسمه، و مرحلة جوّد فيها بورقيبة " البورقيبيّة" بإتقان باذخ.

و تنهض هذه الدراسة التي تنشر نصّها حقائق أون لاين تزامنا مع احتفاء تونس بالذكرى 59 لقيام الجمهورية في 25 جويلية 1957، على عناصر ثلاثة تمتدّ أجزاؤها على تصوّر كلّي ويشدّها نظام داخلي يحدد آفاقها ويغذي تناميها.هكذا جاءت ورقتنا:

– رصدا اقرب إلى المجهريّة لتطوّر تعـــاطي بورقيبة مع البـــاي و المؤسسة الملكيّة من الملاينــة و المسايرة والمداراة في مرحلة أولى (نهاية 1955- نهاية 1956) إلى الإضعاف المنهجي، في مرحلة ثانية (مطلع 1957 – جويلية 1957)،

  •  تركيزا على وقائع يوم 25 جويلية  1957
  • استكناها لأهمّ الأسباب الثاوية وراء " تريث" بورقيبة في الإطاحة بالملكية و معاني ذلك التأنّي المدروس.

 1 – من المسايرة و الملاينة إلى الإضعاف المنهجي

 أ – طور الملاينة القصير: " محمّد الأمين باي، الباي الوطني…":

سعى بورقيبة جاهدا وهو في  خضمّ المواجهة مع اليوسفيين من ناحية، و تذليل ما وضعه الفرنسيون في طريقه من عراقيل من ناحية أخرى ، إلى مداراة الباي و المؤسسة الملكيّة و ملاينتهما. و لقد استمرت تلك "المراعاة" اللبقة من نهاية عام 1955 إلى 1956 تقريبا.

و من تجلّيات سياسة المسايرة تلك ما دأب عليه بورقيبة في مستهل خطبه الرسميّة، في مختلف جهات البلاد حينذاك من ذكر حسن للباي خلال الشكر الذي كان يتوجه به إلى ممثليه ممن كانوا يحضرون تلك التجمعات الحاشدة خلال تلك الحقبة الهادرة. هكذا ترددت جمل من قبيل: " ممثل الحضرة العلية أبقاها الله ذخرا للوطن…" حينا، و " حضرات ممثلي الحكومة التونسيّة و جلالة الملك المعظّم" حينا، و "السيّد ممثل الحضرة العلية دام لها العز و طول البقاء…" حينا آخر.

و تستوقف الباحث إشادة لافتة بالمواقف الوطنيّة لمحمّد الأمين باي و إطراء "لجليل أعماله…" خلال خطاب لبورقيبة بمدينة قفصة يوم 9 جانفي 1956. وقد احتلّ ذلك الإطراء   و هاتيك الإشادة حيّزا مهمّا من ذلك الخطاب المشهور. و ممّا جاء في هذا الخصوص: "[إننا] في سلوكنا مؤدين من الحكومة و جلالة الملك محمّد الأمين الذي وقف إلى جانبنا و تحمل الاضطهاد و العذاب. فقد صمد كما صمد الشعب و الحكومة…" . وقال أيضا: "و أريد بهذه المناسبة أن اشكر جلالة الملك الصالح محمّد الأمين الذي منّ به الله سبحانه و تعالى على الأمة، فضحى و صمد و كافح و اضطهد معنا…" إلى أن يخلص: "فلا ننسى ما قاسته العائلة الحسينيّة التي عاشت معنا طيلة قرنين و نصف متحمّلة عبء الاضطهاد، مشاطرة الأمّة في كفاحها…"ثمّ اثني في مفردات منتقاة على قبول الباي إحداث جمعيّة تأسيسيّة تمكن الشعب التونسيّ من سنّ دستور يحدّد نظام السلطة و يسّير مختلف دواليب الدولة، و يضبط حقوق المواطنين، و واجباتهم، و يتيح للشعب المشاركة في إعداد القوانين الأساسيّة للبلاد إذ قال في هذا المعنى: " و اليوم، بعد أن منّ الله علينا بالنصر لم يمانع [الباي] في إصدار الأمر الذي يخول للأمة انتخاب ممثلين عنها في جمعيّة تأسيسية تنظم شؤون الدولة  و الملكيّة و السلطات التشريعيّة و التنفيذيّة و القضائيّة و حقوق الأمة و واجبات أفرادها التي ستسطّر بواسطة نواب عنكم، و هذا اكبر إنجاز تقوم به الأمة بعد تقلّص ظلّ الاستعمار، و رفع القيود التي كبلتها زمنا طويلا…".                                                                              

و عليه فإن محمد الأمين باي كان في مستوى ثقة القادة الوطنيين و الشعب "لأنه أرجع الأمانة إلى الأمة لتتصرف فيها بواسطة نوابها حسب مصلحة الوطن و هذا ما سيخلده له التاريخ…".

 و لم يفت بورقيبة التنويه بوطنية بقية البايات الحسينيين، و استمطر على أرواحهم شآبيب الرحمة. و مما قاله بصدد نضال كل من محمد الناصر باي و المنصف باي:" لقد سبق لأحد البايات أن أقدم على التضحية بعرشه منذ خمسة و ثلاثين عاما وهو المرحوم محمد الناصر باي الذي تنازل عن العرش في سبيل استرجاع الدستور للأمة كي تمارس سيادتها بنفسها، ومنذ [كذا] ثلاثة عشر عاما أو تزيد خلفه ابنه الشهيد محمد المنصف فضحّى بعرشه وﺁثر أن ينفي، و مات في الإبعاد دفاعا عن حرمة وطنه و إباء منه أن يتبرأ من حركتنا، فكان خير قدوة وأعظم شهيد جسم الروح الوطنية التي دانت بها الأمة و برزت معالمها في معركتنا الأخيرة الحاسمة". و قال أيضا في شأن الباي الأخير يوم 8 أفريل 1956 في خطابه أمام المجلس التأسيسي:"ففي هذا اليوم المشهود المبارك نتذكر بخشوع إخوانا لنا أمثال الملك المقدس المبرور محمد المنصف [و غيره] ممّن استشهد في ساحة الشرف…".                                              

  و يكون من المفيد التذكير في هذا الصدد أن حكومة الاستقلال الأولى التي ترأسها بورقيبة قد عملت تحت إمرة الملك محمد الأمين باي. وقد أبدى بورقيبة في الشهور الأولى لتولي مسؤوليته انضباطا لافتا في احترام قواعد البروتوكول و نواميس المراسم المتوارثة منذ آماد بعيدة. و سنكتفي ههنا بذكر بعض الأمثلة على ذلك: ففي أثناء حفل تنصيبه من لدن الملك رئيسا لمجلس الوزراء في 11 افريل 1956 بقصر قرطاج، قبّل بورقيبة يد الأمين باي اليمنى أسوة بسائر الوزراء و رجال الحاشية و عموم زوّار الباي من التونسيين.و على إثر تلك الحركة الرمزية قلد الملك بورقيبة وسام نيشان الدم، ثم وسام عهد الأمان.      

  و قبل أن يتوجه بورقيبة رفقة الباي و أحمد بن صالح نائب رئيس المجلس الوطني لزيارة زوجة الباي، وهي حركة ذات دلالة واضحة، أدلى بتصريح لحشد من الصحفيين في ساحة القصر قال فيه بالخصوص:" إني متأثر جدا بهذه الثقة الغالية التي أبداها لي ملكنا المحبوب[…] و سأجتهد في  العمل لأكون عند حسن الظن، و كفئا للقيام بمسؤولياتي الجديدة…".

 وخلال مراسم تقلد مهامه على رأس الوزارة تسلّم بورقيبة من يدي الجنرال العيد هدية الباي المتمثلة في ساعة ذهبية. وفي يوم 20 ديسمبر 1956 سلّم بورقيبة محمد الأمين باي الوشاح الأكبر للاستقلال في حفل مشهود.

نتأدى مما سبق إلى أن بورقيبة تقيّد بقواعد تشريفات البلاط في مفاصلها و تفاصيلها واجتهد، وهو العارف بما كانت تنطوي عليه تلك القواعد من رمزية، في عدم خدش أصول البروتوكول و العرف السياسي وهو ما يمكن أن نطلق عليه أسلوب إنقاذ المظاهر. و قد علل بورقيبة لاحقا سلوكه ذاك في عبارات تعزز ما ذهبنا إليه إذ قال في هذا الخصوص: "و قد بقينا طيلة عام ونصف نتردد عليه [الأمين باي] لا عن اقتناع بصلاحيته أو بصلاحية النظام الملكي الذي نعيش في ظله، بل لأن الأقدار شاءت أن يكون هو المجسم لناموس الدولة. فكما نحترم العلم ونؤدي له التحية باعتباره رمز الوطن[…]اضطررنا لإظهار الاحترام للجالس على العرش لأنه رمز الدولة..".

 أما في الكواليس و معابر القصر الملكي فقد كان تعاطي بورقيبة و سلوكه بإزاء العائلة المالكة خلال الفترة المذكورة مخالفا لما كان يبديه في العلن و على رؤوس الملأ. فبقدر ما كان لبقا وكيسا و لينا وهو " يحافظ على المظاهر"، وفق ما كانت تفرضه مقتضيات المركز، كان " صلبا لا تلين [ له] قناة مع الباي و ذويه…"، في الكواليس حيث لا رقيب و لا ملاحظ".

 و يمكن القول أن علاقة بورقيبة بالباي و زوجته و سائر أفراد العائلة الحسينية قد شابها التوتر في أغلب الأحيان. و من الخير لنا أن ندع بورقيبة نفسه يصف لنا بعض أوجه هذا التوتر و أسبابه، في تضاعيف الفترة المذكورة، من خلال بعض الأمثلة القصيرة. يقول بورقيبة:" ذات يوم دخلت البهو الكبير بالقصر و كانت زوجة الباي جالسة فتوقفت عن السير و قلت لها و لمن معها:"عندما يدخل رئيس الحكومة على كل الموجودين الدخول لتحيته.."، فهرعت الملكة مسرعة تجاهي و هي تقسم أنها لم تكن "تعرف هذا [ كذا]" و طلبت العفو، فأجبتها:" أنا لست مصطفى الكعاك أو صلاح الدين البكوش و من شابههما…" .

و قال أيضا في نفس الخطاب:" و أذكر أنني رافقته [ الباي] ليلة السابع و العشرين من رمضان إلى جامع الزيتونة حسب التقاليد المألوفة، و كان ممسكا بعصا قدت من العاج المزخرف. و إثر إنتهاء الحفل بجامع الزيتونة قفلنا راجعين إلى قصر قرطاج، و اجتزنا الباب الخارجي الأول فالباب الثاني و قبل اجتيازنا الباب الثالث ناولني العصا التي كانت بيده لأحملها عنه فرفضت متسائلا عما يقصد بهذا العمل، فسارع ابنه محمد إلى إنقاذ الموقف بقوله:"إنها هدية لك من سيدنا، فتناولتها و احتفظت بها…".

 و ثمة حادثة أخرى كان يحلو لبورقيبة ترديدها و مؤداها أنه دعي مرة للعشاء على خوان الباي" ففوجئ بالملكة تتناول الحساء" قبله و أمامه" فلما أبدى استغرابه من تصرفها أجابته:"هكذا جرت العادة ليتأكد الضيف من خلو الطعام من السم…" فأجابها بورقيبة في ألفاظ جافة:" لا تكلفي نفسك في المستقبل مثل هذا الأمر…".

و موازاة مع نهج الملاينية و المسايرة- الظاهرية على الأقل- الذي دأب عليه خلال الأشهر الأولى لرئاسة الوزارة الكبرى، عمد بورقيبة، تأسيسيا على المشروع التحديثي المتكامل الذي حدد ملامحه رفقة نفر من رجال النخبة السياسية الوطنية إلى الحد من نفوذ الباي و إفراغ المؤسسة الملكية من صلاحياتها و مشمولات أنظارها وهو ما يمكن إدراجه في إطار تمهيد السبيل لإلغاء النظام الملكي و تهيئة الأرضية الملائمة لتغيير شكل النظام وطبيعته. وقد تم ذلك على نحو منهجي تدريجي، ووفق أسلوب زاوج بين النجاعة و السلاسة.

 ب- الإضعاف المنهجي للباي و للمؤسسة الملكية

اغتدى الخطاب الرسمي خلال الفترة الواقعة بين 8 أفريل 1956 و 18 جويلية 1957 يركز على " إرادة الشعب و سيادته..". ويمكن القول أنه منذ انعقاد الجلسة الأولى للمجلس القومي التأسيسي في 8 أفريل 1956 لم يعد الحكم في يد الباي.

 و كان مبدأ السيادة الوطنية محور الخطاب الرسمي للوزير الأكبر إذ جاء في كلمته أمام أعضاء المجلس:" إنكم تجتمعون اليوم بإرادة الشعب، وتتجسم هذه الإرادة في جمعكم بوضوح و جلاء […]  و ابتداء من اليوم لن يتصرف في شؤون الشعب التونسي غير الشعب التونسي، و لن يكون الحكم في البلاد لفائدة فرد أو جماعة أو طبقة بل لفائدة مجموعة الأمة التونسية…".

  و كان نفس هذا المبدأ موضوع خطاب رئيس الحكومة أمام نفس المجلس في 17 أفريل 1956 إذ قال في هذا المعنى:" إن العقلية الاستقلالية إنما هي اليوم، مثلما كانت بالأمس ثورة متواصلة على الأوضاع الموروثة المزرية بالكرامة، وهي غزو مستمر لمختلف مناطق السيادة..".

  و بناء على تلك الشرعية الشعبية، التي أصبحت بمثابة اللازمة في الخطاب السياسي حينذاك تتالت جملة من النصوص- موصول بعضها بالبعض الآخر-تصب كلها في خانة تحجيم مكانة الباي و تقليص نفوذ المؤسسة الملكية و صلاحياتها و مشمولات أنظارها. 

  و من اللافت في هذا الصدد مبادرة السلطة الوطنية الجديدة، و في وقت مبكر نسبيا (2 مارس 1956) باستصدار قانون وقع بموجبه ضم الأحباس العامة إلى أملاك الدولة تمـهيدا لإلغاء الأحباس الخاصة و أحباس الزوايا وهو ما سيكرسه لاحقا قانون 18 جويلية 1957.

 و يشرح بورقيبة أسباب تعجيله باتخاذ مثل ذلك القرار بقوله: "وبقيت رئيسا لمجلس الوزراء عاما و رأيت خلاله ما كان يعمد إليه الباي من استصفاء ضيعات زراعية كاملة تابعة للأوقاف والاستحواذ عليها ظلما بناء على أوامر يصدرها[…]فما كان مني إلا أن أعددت أوامر تقضي بإرجاع الحق لذويه..".  و يعلق على رد فعل العائلة المالكة على ذلك القرار:" و نحن على يقين من أننا بهذا العمل قد صحّحنا الوضع و كنا نظن أن المقصودين من وراء ذلك سيسرّهم ما اتخذ من إجراءات تبرئ ذمتهم في الدنيا قبل الآخرة و يسلمون بأن فيها تطهيرا لهم و رجوعا إلى الجادة و الحق و العدالة. لكن ما راعنا إلا و قد قدم هؤلاء الجمع، الذين من بينهم للاّعائشة، و للاّ خديجة و سيدي الشاذلي قضايا إلى محكمة الدريبة يطالبون فيها باستعادة ما أنفقوه على تلك الأراضي، وهي رقاعة بالغة لأنهم إنما صرفوا على ملك مسروق، و هذا بصرف النظر عما قدمته لهم الدولة في العهد الاستعماري من أموال لإقامة البناءات و التجهيزات الكهربائية و المصحات إرضاء لأصهار العائلة المالكة من أطباء و غيرهم…".

و في 26 أفريل 1956، و مساوقة مع الإجراء المار ذكره، صدر أمر جعل الإدارة السنيّة، أي الإدارة الخاصة بشؤون الباي و العائلة الحسينية، خاضعة لوزارة المال. كما تم التنقيص من ميزانيتها، و أعيد تنظيمها و أنهيت مهمة مديرها الفرنسي المسيو ماتيي. و هذا معناه أن الحكومة أصبحت المتصرف في إرث الباي و في ممتلكات العرش الحسيني. و كان من بين النتائج المباشرة لما دعاه بورقيبة الإجراءات المتعلقة ب " إيقاف النزيف المالي" الناجم عن نفقات القصر المشطّة، انهيار مخصصات الباي السنوية بنسبة 80% إذ انحطّت من حوالي مليار إلى 181.5 مليون فرنك.

و جاء أمر 31 ماي 1956 الخاص بضبط حقوق الأسرة الحسينية المالكة و واجباتها ليسوي بين أفراد تلك الأسرة و عموم الشعب التونسي. و هكذا أصبح أفراد الأسرة المالكة يتمتعون بأهلية الإلزام و الالتزام بدون قيد خاص طبق قواعد الحق العام و يستهدفون للعقوبات المقررة لسائر التونسيين و يخضعون لنفس قواعد الإجراءات التي يخضع لها جميع المواطنين. و أبطلت جميع الإمتيازات و الإعفاءات و الحصانات التي كانوا يتمتعون بها، وانقطع عنهم تبعا لذلك كل ما كانوا يتقاضونه من منح و هبات من ميزانية الدولة.

و من ناحية أخرى ألحقت العسّة الخاصة بالباي، أي الحرس الملكي المكون من 850 رجل بين ضباط و جنود، بنواة الجيش التونسي الحديث التكوين و ذلك بمقتضى أمر 30 جوان 1956.

 و في 21 جوان 1956 صدر أمر غير النظام الإداري الجهوي القديم و ألغى مسمياته. و يمكن اعتبار هذا الإصلاح الإداري من أهم ما أنجز من إصلاحات خلال تلك الحقبة إن من حيث العمق أو التداعيات على هياكل النظام القديم و رموزه. هكذا قسمت البلاد إلى 740 مشيخة مجتمعة في 83 مندوبية تجمعت بدورها في 14 ولاية. و انتقل التراب التونسي من مراقبة الباي إلى مراقبة الحكومة التونسية الجديدة و عين على رأس كل ولاية وال، و على رأس كل مندوبية معتمد و على رأس كل مشيخة شيخ. و قد سهر إدريس قيقة رئيس مصلحة الإدارة الجهوية بوزارة الداخلية حينذاك على تطبيق الإصلاح الجديد بحماسة و حزم. و كان من التجليات الأولى لتلك " الثورة" في المجال الإداري، التي طاولت تونس العميقة، تجديد شبه كلي لسلك العمال، إذ أقيل البعض و أحيل البعض الآخر على التقاعد و كان جلّ الولاة الجدد من الذين عرفوا بولائهم لسياسة بورقيبة و من مناضلي الحزب الدستوري الجديد. و لم يكن خافيا أن عملية تطهير الإدارة الجهوية الذي باشرته وزارة الداخلية بإيعاز من بورقيبة، كان يهدف إلى تصفية العائلات البرجوازية التي اعتمدت عليها الأسرة الحسينية أرداحا من الزمن. ومما يعضد ما ذهبنا إليه ما بدر عن الباي من مماطلة و تسويف قبل أن يرضخ للأمر الواقع و يمضي، صاغرا الأمر الذي أقر الإصلاحات الإدارية المذكورة. و مرد ذلك ما كانت تنطوي عليه فصوله من طمس لنفوذ الباي في الجهات و النواحي.

و في 3 أوت 1956 صدر أمر نقح الأمر الصادر في 21 سبتمبر 1955 المتعلق بتنظيم السلطات العمومية تنظيما مؤقتا. و قد سحب الأمر الجديد من الباي السلطة الترتيبية أي جانبا مهما من السلطة التنفيذية.  و بعبارة أخرى مجملة تجريده من التصرف في الحكم و مباشرة النفوذ و أصبح رئيس الحكومة هو الذي يتولى ذلك و يصدر الأوامر القانونية دون عرضها على طابع الباي.

و علاوة على كلّ ذلك سحب أمر 28 فيفري 1957 من الباي اختصاصاته الدينيّة  و أصبح الوزير الأكبر رئيس الحكومة المشرف على الشعائر الدينيّة و أربابها و كلّ ما يرجع إليها. كما أحدثت خطّة مفتي الديار التونسيّة و أمسى المفتي ممثل الهيئة الدينيّة الإسلاميّة في الاعتبارات العامّة و إقامة المواسم و التشريفات و ما إلى ذلك. ولم تقف الأمور عند هذا الحدّ بل تمّ إبطال عيد جلوس الباي و كذلك وسام الافتخار و منع على أصحابه حمل شاراته، و أحدث وسام جديد دعي وسام الاستقلال بأمر مؤرخ في 6 سبتمبر 1956. كما ألغيت الطغراء القديمة و أحدثت طغراء جديدة وفق أمر 13 سبتمبر 1956 .

و بالتدريج تقلص نفوذ الباي على نحو ملحوظ إذ لم يبق له بالنهاية إلا الجلوس على العرش و ممارسة جزء ضئيل من السلطة التشريعيّة بصورة لا تتجاوز وضع الطابع على الأوامر غير القانونيّة التي يعرضها عليه رئيس الحكومة. و تقليلا من أهميّة هذا الطقس التشريفاتي تمّ إلغاء حفلة وضع الطابع التي كانت تقام صبيحة يوم كلّ خميس من كلّ أسبوع…

و لم يصمد أمام موجة التحويرات الكبرى الحثيثة إلا السلام الملكي وهو ما يطرح السؤال عريضا: هل غفل الأسياد الجدد، في حمأة المعركة التحديثيّة، عن هذا الرمز المهمّ ؟

و بالموازاة مع كل ذلك سلبت الحكومة الجديدة من باي تونس كل ما كان يفرضه المنصب الملكي من مظاهر التوقير و التقدير، و لقد صدم ذلك الملك ابن سعود ملك العربية السعودية خلال زيارته لتونس في فيفري 1957 و رثى لحال " زميله" المغاربي. وفي المقابل فوجئ بالصلاحيات الواسعة جدا لبورقيبة الذي كان " يتصرف بوصفه الرجل الأول في البلاد…".

هكذا بدا نظام المملكة التونسية بمراسمه البالية في  خضم الإصلاحات التحديثية كالنغمة الناشزة في اللحن المتساوق. و أصبح وجود الباي على رأس الدولة، ولو صوريا أمرا " غير متلائم مع التطور التاريخي…" الذي كانت تعيشه البلاد.

 

 2- الحسم:

عشرة أيام ! هذا ما كان المستقبل يدّخره لمحمد الأمين باي الأول بعد أن قرّر بورقيبة القطع مع أسلوب الحذر و سياسة التحفظ الذي دمغ عمله حتى الآن.

عشرة أيام تسارعت فيها وتيرة الأحداث و انتهت بخلع آخر البايات الحسينيين. باي حفظ له العامة في ذاكرتهم بعض المواقف الوطنية، و اشتهر عند خاصّة الخاصّة بولعه الشديد بالرسم والساعات الحائطية الكبيرة.

حسم بورقيبة أمر الملكية في حركة احتدمت فيها السرعة بالحزم الشديد. و لقد ظل وفيا وهو يقدم على اتخاذ تلك الخطوة لأسلوبه المرحلي المومإ إليه.

 أ- عشرة أيام هزّت العرش الحسيني: 15-25 جويلية 1957:

شرع بورقيبة و نفر من عتاة أصحابه في تضييق الخناق على العائلة المالكة ابتداء من يوم 15 جويلية 1957.

 ففي صبيحة ذلك اليوم فرض الأمن حراسة على القصر الملكي مانعا الدخول إليه و الخروج منه. كما فرض رجال الشرطة مراقبة على كلّ الطرق المؤدية إلى القصر. و بدا واضحا أن الباي و عائلته قد أصبحوا أسرى  السلطة الجديدة.

و في 18 جويلية شنّ بورقيبة هجوما على العائلة الحسينيّة في خطاب له بمدينة تونس و ذكر بالاسم " للاّ عائشة و للاّ خديجة و سيدي الشاذلي." وركّز على استهتار هؤلاء بالقانون و تكديسهم لثروات طائلة بطرق غير مشروعة.

و لقد لفت هذا الخطاب أنظار مراقبي الشأن الداخلي من التونسيين و الأجانب باعتبار أنها المرّة الأولى التي يهاجم فيها رئيس الوزارة الأسرة المالكة في عبارات قاسية و على نحو علني. ليس هذا فحسب بل إن الخطاب جاء يحمل الوعيد و التهديد. ومن أهم ما جاء فيه في هذا المعنى: " انه لا بدّ من يوم يجرى فيه الحساب على هذه التصرفات و ما شاكلها، و ربّما كان قريبا، لأنه يتعذّر على هذه الدولة أن تبقي على عقول تعفنت أو نفوس تشوهت فطرتها فأصبحت ترى في الانحراف سلوكا طبيعيّا. و لو جدّ هذا قبل عشرين سنة لجاز الرجاء في الإبقاء عليه لأنه يكون ممّا عمت به البلوى، لكنه الآن غير ممكن في دولة بنيت على أسس طاهرة تتلاءم مع النفسيّة الجديدة لهذا الشعب ومع تضحياته وسمعته الطيّبة…".

لم تمر ساعات قليلة على هذا الخطاب حتّى قرن رئيس الوزارة القول بالفعل: ففي مساء يوم 19 جويلية ألقت الشرطة القبض على النجل الأصغر للباي (32 سنة) الأمير صلاح الدين بتهمة محاولة قتل مفتش الشرطة المسؤول عن حراسة القصر، و أودع السجن المدني بتونس. و لقد رأت إحدى الصحف الفرنسيّة المشهورة في تلك الحادثة حلقة "من حلقات الهجوم الجمهوري" لبورقيبة على عائلة البايات…" .

و لقد شدّدت الصحافة المحليّة و الفرنسيّة على أهميّة حادثة إيقاف الأمير صلاح الدين ناهيك و أنها جدّت ساعات قليلة قبل انعقاد اجتماع بأهم سفراء تونس بالخارج دعا إليه بورقيبة لإطلاعهم على " قرارات مصيريّة قيد الدرس"  و بالفعل فقد اجتمع بورقيبة الوزير الأكبر ووزير الخارجية صباح يوم 23 جويلية بسفراء تونس في كلّ من باريس، وواشطن،  و القاهرة، و روما و لندن، و مدريد، و الرباط، و سألهم بلا مواربة " عن ردود الأفعال المرتقبة في البلدان المعتمدين فيها في حال خلع الباي". و يبدو أن هؤلاء الديبلوماسيين نصحوا بورقيبة "بتوخي الاعتدال" (كذا)، و يبدو كذلك أن سفير تونس في الرباط أفاد الحاضرين بأن عملا من هذا القبيل سينظر إليه بعين الريبة في المغرب الأقصى و قد يقابل بالاستهجان.

و في مساء نفس اليوم اجتمع الديوان السياسي للحزب الدستوري الجديد بدعوة من بورقيبة و قرر اختيار النظام الجمهوري، أي "المناداة بإلغاء الملكيّة…"  كما دعت نفس الهيئة المجلس التأسيسي للانعقاد يوم 25 جويلية للنظر في شكل الدولة و أوكل له، ضمنيّا، مهمّة إعلان الجمهوريّة…

و يبدو أن قرار الدعوة إلى إلتآم المجلس قد اتخذ قبل انعقاد اجتماع الديوان السياسي إذ يذكر رشيد إدريس في مذكراته انه اتصل يوم الثلاثاء 23 جويلية 1957 "من جلولي فارس رئيس المجلس ببرقيتين الأولى موجهة إلى جميع النواب، تفيد بان المجلس يعقد جلسة عامّة يوم الخميس 25 جويلية على الساعة التاسعة صباحا. أما البرقيّة الثانية فكانت موجهة إلي شخصيّا من باردو أيضا بتاريخ 23 جويلية […] تدعوني للحضور في الغد على الساعة الثامنة صباحا بمكتب الأخ الباهي الادغم نائب رئيس الحكومة…". و أضاف الرشيد إدريس: "و في الساعة الثامنة كانت المقابلة و كانت المفاجأة. فقد اخبرني الأخ الباهي الادغم أن جلسة يوم الخميس ستخصّص لبحث موضوع إعلان الجمهوريّة و أشعرني بأنه يعهد إلي بأخذ الكلمة في هذا الاجتماع للدفاع عن فكرة الجمهوريّة ثمّ اخبرني بان الأخ احمد المستيري، وزير العدل في انتظاري ليمدّني ببعض المعلومات و البيانات في الموضوع…".

و يتجلى من ثنايا هذه الشهادة الصادرة عن شخصيّة معروفة كانت أول من تلّفظ على نحو صريح فصيح بالعبارة الشهيرة: "نريدها جمهوريّة…" أن توزيع الأدوار، و ترتيب وقائع الجلسة المشهودة قد تمّ قبل انعقاد المجلس بثماني و أربعين ساعة على الأقل…

و حري بالتسجيل أن الأوامر أعطيت لقوات الأمن بتكثيف الحراسة على القصر الملكي ساعة انعقاد اجتماع الديوان السياسي بحيث أصبح الباي، و العائلة المالكة في عزلة تامة عن العالم الخارجي لاسيما بعد قطع الهاتف عن القصر.

 و مهما يكن من شيء فان احتضار الملكيّة في تونس كان آنذاك بمثابة " السرّ الذائع" بفضل ما كانت تنشره الصحف السيّارة التونسيّة و الأجنبية من أخبار عن قرب زوال النظام الملكي و خلع الباي. ومن اشهر ما كتب في الموضوع افتتاحيّة جريدة لاكسيون L’Action ليوم الاثنين 22 جويلية 1957، خمّن الملاحظون أنها كانت بقلم البشير بن يحمد و حملت العنــوان التالي: بعد أيام لن تكون تــونس ملكيّ .

و من أهم ما ورد في تلك الافتتاحيّة: "… بعد أيام لن تكون تونس ملكية إن العائلة الحسينيّة ذات الأصول التركيّة تحكم البلاد منذ قرنين و نصف. و لقد أدركها الذبول         و النحول فاغتدت أشبه بالشجرة الميّتة بحيث أن الشعب التونسيّ و قادته يتأهبون اليوم لاجتثاث هذه الشجرة. وسيّتم ذلك وفق الأسلوب التونسيّ  فلا أهواء أو مبالغات، و إنما إحساس واع مسؤول بان ما ينجز ليس ثورة بل عمليّة ضبط للأمور و ترتيب لها، ليس قفزة في المجهول، بل خطوة إلى الأمام… و الحقّ انه منذ حدث الاستقلال لم يعد للباي وزن أو شان […] ذلك أن وجوده على عرش مضعضع الأركان، من شأنه أن يضفي على النظام و تنظيم الدولة طابعا مؤقتا غير ثابت و ملتبس. و ممّا لا شكّ فيه أن رحيل الأمين باي آخر البايات سيبدّد الغموض و الالتباس، و سيتيح فتح آفاق جديدة نتمنى أن تكون واضحة…"

 ب – فصل الختام: المجلس التأسيسي يعلن الجمهوريّة و " كومندوس الجمهوريّة" يعلم الملك المخلوع بقرار "ممثلي الشعب"

  – إعلان الجمهوريّة: الحدث الذي لم يفاجئ التونسيين

كان كلّ شيء يشير صباح يوم الخميس 25 جويلية 1957 إلى أن التحضيرات و الاستعدادات للإعلان عن حدث الجمهوريّة قد اكتملت في أدق تفاصيلها وفق ما خطّط لها بورقيبة و أنصاره المتحمسون و الذين دعتهم جريدة لاكسيونL’Action  في نشرتها بتاريخ 29 جويلية 1957 ب "كومندوس الجمهوريّة".

لا شيء تقريبا ترك للصدفة إذ أقيمت معالم الزينة من أعلام و رايات و أكاليل…،   و تمّ استنفار حشود غفيرة من المواطنين منذ الصباح الباكر للتجمهر أمام قصر باردو ، و تمت دعوة وسائل الإعلام التونسيّة و الأجنبية من إذاعة و صحافة مكتوبة لحضور فعاليات تلك "الجلسة المشهودة"، هذا فضلا عن دعوة رجال السلك الديبلوماسي وعدد من المدعوين و المدعوات اختيروا بعناية و دقّة كما نصبت بقاعة العرش (سخرية القدر) في قصر باردو، حيث تقرّر عقد الجلسة تجهيزات الإرسال الإذاعي " كي يتمكن الشعب التونسيّ بأكمله من الاستماع إلى ما سيقع بتلك الجلسة الرهيبة مباشرة سواء بواسطة أجهزته الخاصّة أو بواسطة الأجهزة التي نصبتها السلط و المجالس البلديّة و الحزب الدستوري الجديد و المنظمات القوميّة في كلّ مكان…" .

و في تمام الساعة التاسعة و النصف صباحا افتتح المجلس القومي التأسيسي أشغاله. و منذ البدء حدّد رئيسه جلولي فارس موضوع الجلسة بقوله: " إن جدول أعمالنا فيها [الجلسة] هو النظر في شكل الدولة الذي كان متوقفا على معرفته الإنجاز (كذا) لمشروع الدستور. و لذا جمعنا المجلس صاحب الحقّ في معرفة هذا الإطار " شكل الدولة" بتقرير مصيره، و بعد ذلك فان جلستنا ستستمرّ حتّى يستقرّ رأينا على ذلك…".

و بعد أن تمت مناداة النواب قصد التثبت في عدد الحضور  و تسجيل أسماء النواب الذين طلبوا الكلمة، تتابع على المنصة ثلاثة عشر نائبا.

و دارت المداخلات حول ضرورة تحديد شكل الدولة وإبراز مساوئ النظام  الملكي، و المناداة بالجمهورية نظاما جديدا للدولة و بالحبيب بورقيبة رئيسا لها.

و على العموم فقد كانت تدخلات النواب رتيبة بل مملّة أحيانا جرّاء لـوك المتدخلين لنفس القرائن و الحجج و تقديم نفس الاقتراحات في نفس القالب تقريبا.

و حريّ بالإشارة إلى أن المداخلات الثلاث الأولى لكلّ من احمد بن صالح و رشيد إدريس استأثرت أكثر من غيرها باهتمام الحاضرين إذ ربط الأول بين "البت في مـوضوع شكل الدولة و إتمام ضبط الدستور…". أما الثاني فقد أطلق دعوة واضحة لا تنقصها جرأة و لا يشوبها التواء: "نريدها جمهوريّة حرّة…".

و جدير بالذكر كذلك أن بعض المتدخلين استغلوا ذلك "المهرجان الخطابي" لمزاولة نوع من المزايدة فجاء كلامهم ذا مسحة كاريكاتوريّة. و نذكر ههنا على سبيل التمثيل مداخلة عزوز الرباعي الذي ردّد تقريبا ما جاء في تدخل محمّد بدره الذي سبقه في الكلام حول وطنيّة المنصف باي و نضاله، و لكن في أسلوب مخالف جدّا و من بين ما قاله في هذا الخصوص: "اعترف أن المنصف باي كان جمهوريا صميما و الشاهد على ذلك انه قال لي يجب إعلان الجمهوريّة بتونس. و كم أودّ أن أؤسس الجمهوريّة و القي بالأمراء عرض البحر!!". 

و خلال حصّة بعد الظهر و تحديدا في الساعة الثانية و النصف أسند رئيس الجلسة الكلمة لبورقيبة فألقى خطابا استغرق ساعتين و عشر دقائق.

ليس في نيّتنا التبسّط في فحوى هذا الخطاب، و أقصى ما نودّ التأكيد عليه هو أن بورقيبة الذي كان آخر المتدخلين تكفّل بتقديم "قرار اتهام" ضدّ الباي و الملكيّة. و لقد نهض خطابه على فكرتين محوريتين: أولاهما أن تاريخ العائلة الحسينيّة "الأجنبية عن الشعب التونسيّ" كما قال النائب الطيّب الميلادي  "سلسلة خيانات للشعب والبلاد ختمتها خيانات الأمين باي التي لا تغتفر٬للحركة الوطنية".

أما ثاني تينك الفكرتين فمؤداها أن الدولة الفتية التي أسست «على النزاهة و الإخلاص […] تجد على رأسها شخصا لا يستطيع أن يرتفع إلى المستوى الذي تتطلبه منه تلك الخصال… »

و عليه فان النظام الملكي «البالي لم يعد منسجما مع حالة الشعب و تفكيره الجديد… »و من ثم يتحتم «إدخال الانسجام على دواليب الدولة و لا يمكن ذلك إلا بإلغاء الملوكية و إحلال نظام جديد محلها يجعل من تونس كلا مشاعا بين التونسيين المسؤول عنه هو الشعب و ذلك هو النظام الجمهوري. »

توسل بورقيبة إلى ذلك بأسلوبه المسرحي المعهود.أسلوب زاوج فيه بين روح المرح و الدعابة حينا و نبرة الرصانة و الجدية في غالب الأحيان.

و ككل مرة أيضا نقل تهدج الصوت٬ و التماعات العينين ٬وحركات اليدين ٬ واختلاجات الوجه إلى الحضور ما لم ينقله الكلام.

و لنا بخصوص مداخلة بورقيبة ملاحظتان:

أولا:لاح خطاب بورقيبة اقل تماسكا و حبكة من خطبه السابقة لاسيما في المناسبات الكبرى و هذا خلافا لما حاولت جريدة "لاكسيون" الإيحاء به  و آية ذلك تقطّع خيطه الناظم و ضموره في بعض الأحيان نتيجة انسياق صاحبه وراء التفاصيل.تفاصيل استغرقته و من ثم أضاعت عنه فكرته المحورية و تصوره الجامع…و كيفما كان الحال فإننا لا يمكن أن نعزو الاضطراب الذي وصم ذلك الخطاب في بعض فقراته إلى جلال الموقف و خطورته ذلك أن بورقيبة تعود ارتجال الخطب في أصعب المواقف و أشدها دقة و حساسية.

ثانيا:تنكر الرجل في هذا الخطاب لما سبق أن قاله في شان « وطنية البايات الحسينيين»و من بينهم الأمين باي و ذلك في خطابه بمدينة قفصة يوم 29 جانفي 1956 كما تقدم بنا.كما رجع عن قوله بخصوص مساندة الباي إحداث جمعية تأسيسية تمكن الشعب من دستور يحدد نظام السلطة و يسير مختلف دواليب الدولة.

و مهما يكن من شئ فان بورقيبة المهووس بضرب المواعيد مع التاريخ حرص خلال فعاليات المجلس أن تؤول إليه مهمة أو شرف إطلاق رصاصة الرحمة على النظام البائد. و بعبارة أخرى دق المسمار الأخير في نعش الملكية .

لقد كان كل شئ يشي خلال وقائع تلك الجلسة المشهودة بان هنالك تنسيقا محكما مسبقا جعل إشغال المجلس و مداولاته تسير في الاتجاه الذي سارت فيه الأمور.و يعترض الرشيد إدريس "نجم "تلك الجلسة على القائلين بان الأمور كانت معدة سلفا مؤكدا في مذكراته انه 'لم يكن هناك تنسيق بالمعنى الكامل بل بعض الاتصالات أي لم يكن في المجلس إعداد مسبق لهذا الحدث التاريخي الهام…ومهما يكن من شيء و سواء تعلق الأمر بنوع من التنسيق أو بمجرد اتصالات فان ما سبق تلك الجلسة و ما تخللها يدل دلالة واضحة على وجود ترتيبات دقيقة كان لها الأثر الوازن في توجيه وقائع الجلسة و قراراتها الوجهة التي نعرف، و لقد جاء الفصل الأخير المتضمن إبلاغ الباى بقرارات "ممثلي الشعب"و إخراجه من قصر قرطاج إلى مقر سكناه الجديد في منوبة ليزكي ذلك و هو مدار حديثنا فيما يلي.

 – " كومنوس الجمهورية"يعلم الباي المخلوع بقرار "ممثلي الشعب "من المهم أن نشير ههنا إلى أن محمد الأمين باي تابع في قصره عبر موجات الإذاعة وقائع جلسة المجلس القومي التأسيسي منذ بدايتها و حتى منتهاها. و فور رفع الجلسة توجه وفد إلى قصر قرطاج لإعلام الباي قرار المجلس على متن خمس سيارات رسمية. و قد تالف ذلك الوفد في معظمه من شباب ثلاثينيّ تأثر بشخصية بورقيبة حد التماهي و هو ما جعل البشير بن يحمد وزير الإعلام و مدير جريدة لاكسيون يطلق عليه عبارة "كومندوس الجمهورية" و على العملية التي كلف بها بـ "العملية الفدائية".

وتكون الوفد المذكور من الطيب المهيري وزير الداخلية، و أحمد المستيري وزير العدل، وإدريس قيقة مدير الأمن الوطني، و عبد المجيد شاكر المدير الإداري للحزب الجديد و التيجاني القطاري قائد الحرس الوطني. و كان على رأس هذا الفريق علي البلهوان شيخ مدينة تونس و الكاتب العام للمجلس القومي التأسيسي وهو الذي تولى قراءة قرار المجلس على الباي. ويبدو أن هذا الأخير تلقى قرار خلعه بدون تأثر ظاهريا. ثم تلا إدريس قيقة، باسم وزير الداخلية، " قرار الإقامة الجبرية لأفراد عائلة محمد الأمين باي".  و بمقتضاه تم – على الإثر- نقل الباي المخلوع صحبة زوجته و أولاده و بناته و صهره محمد بن الشاذلي بن سالم، وولي العهد حسين بن محمد الناصر، إلى مقر إقامتهم الجديد وهو قصر الهاشمي الكائن على مبعدة ميل واحد، من بلدة منوبة.

و بإمكاننا أن نثبت في شيء من الاطمئنان أن الباي و مرافقيه تصرفوا بنبل و هدوء و بروح من سلم بقسوة القدر خلال تلك اللحظات المهيبة و مصداق ذلك – على سبيل التمثيل- أن زوجة الباي، لما دلفت إلى قاعة العرش حيّت إدريس قيقة" ثم هنأته بحدث الجمهورية…"

لم يرق ذلك السلوك لبورقيبة، و قد أنّب مدير الأمن على سلبيته بإزاء"صلف" الباي و "رعونته"، حدث هذا لاحقا ذلك أن بورقيبة الذي ترك تفاصيل تنفيذ قرارات المجلس التأسيسي"لمغاوير الجمهورية" لم يكن آنذاك يحفل بمصير العائلة المالكة بقدر ما كان مشغول البال بتحفظات كل من ليبيا و المغرب و السعودية، فضلا عن بعض الأوساط الغربية   عن إعلان الجمهورية في تونس.

 3 –بصدد أسباب " تريث" الحبيب بورقيبة في إعلان الجمهوريّة

 أ –طبيعة الدولة و شكلها لم تكن من بين الأولويات الملحّة

لم تطرح مسالة طبيعة النظام السياسي الواجب إقراره في البلاد من لدن قادة الحركة الوطنيّة البارزين، و تحديدا من قبل زعماء الحزب الدستوري الجديد، خلال الحقبة 1955- منتصف 1957، إذ أن تناولهم لهذه المسالة- رغم ما كانت ترتديه من أهمية- لم يتجاوز اللمع العابرة و الومضات الخاطفة. هكذا وقع الاقتصار على الإشارة إلى وجوب إرساء "نظام ديمقراطي…"، تكون فيه "السلطة للشعب…"، حينا، و تفضيل "الملكيّة الدستوريّة" حينا آخر بحيث لم يقع الخوض – نظرا للظرفيّة الدقيقة و الحساسّة التي كانت تمر بها البلاد- في لحم مسالة شكل النظام و طبيعة الدولة.

و يعلّل احمد بن صالح ذلك بكون "الاهتمام كان منصبا على تحرير البلاد". و ذهب الرشيد إدريس إلى أن المطالبة بالملكيّة الدستوريّة في الفترة 1955 مطلع 1957 قد أملته "الواقعيّة السياسيّة"، و هو ما كان سيتيح "قيام حكم دستوري على أساس التفريق بين السلط".

و كيفما كان الحال فان الاتجاه العام كان ينحو في اتجاه تفضيل نظام الملكيّة الدستوريّة. و من آيات ذلك أن مؤتمر الحزب الدستوري الجديد بصفاقس (15-19 نوفمبر 1955) و الذي حسم في ابن يوسف و اليوسفيّة أكد في لائحته السياسيّة العامّة على "انه من المحتم إجراء انتخابات ديمقراطيّة عامّة للبلديات و لمجلس تأسيسي لوضع دستور يضبط نظام الحكم في البلاد على أساس الملكيّة الدستوريّة…" كما ذكر المؤتمرون بنفس ذلك المطلب في البرقيّة التي بعثوا بها إلى الباي في ختام أشغال المؤتمر " يرفع [المؤتمر] إلى جلالتكم بمناسبة إنهاء أعماله أسمى عبارات التعظيم و الإخلاص لعرشكم المفدى و يتمنّى أن تتم في عهد جلالتكم أماني الشعب في تحقيق نظام ملكي دستوري ديمقراطي.."

و على خلفيّة الاستحقاق الانتخابي للمجلس التأسيسي و الذي جرى في 25 مارس 1956 طلب مرشحو قائمات الجبهة القوميّة، على اختلاف توجهاتهم – خلال حملاتهم- بوجوب إرساء نظام ملكي دستوري لأنهم " كانوا جميعا متفقين على السير في ذلك الاتجاه…"

و لابدّ من التذكير أن الأمر العلي القاضي بإحداث المجلس القومي التأسيسي و المؤرخ في 19 ديسمبر 1955 قد أشار بصريح العبارة إلى الملكيّة الدستوريّة نظاما للدولة، و لعلّ ذلك هو الذي يفسّر تباطؤ أشغال لجنة إعداد الدستور بسبب الانقسام الواضح فيها بين مناصر للملكيّة الدستوريّة و مناد بالجمهوريّة. و كان هذا التباطؤ بفعل ضغط المستجدّات لاحقا موضوع تراشق اتهامات ضمني بين ابرز متدخلين في جلسة 25 جويلية الشهيرة و عنينا الرشيد إدريس و احمد بن صالح.

و لئن أبدى نفر من أبرز قادة الحزب الدستوري الجديد حماسة في المطالبة بالملكيّة الدستوريّة من أمثال صالح بن يوسف و المنجي سليم فانه ليس ثمّة " في وثائق الحزب أو تصريحات زعمائه [العلنيّة] ما يشير إلى ذلك الاختيار[الجمهوريّة] سوى الدّعوة إلى سيـادة الشعب و التفريق بين السلط…". و لكن هل يسرى هذا على الحبيب بورقيبة ؟

 ب –بواعث تأجيل الإجهاز على الملكيّة و إرجاء الإعلان عن الجمهوريّة

لماذا انتظر بورقيبة عاما و نصف العام تقريبا قبل أن يتخذ قراره بالقضاء على الملكيّة و إقرار الجمهوريّة ؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال المركزي الذي لا شكّ انه ضغط على كلّ من حفر في خلفيات إعلان الجمهوريّة في تونس نرى من المهمّ أن ننبه إلى أن البحث التاريخي في جانب منه على الأقل، استقصاء لضمائر الأموات و محاولة لفهم ما حمل فاعلا ما على ارتكاب من ارتكب في لحظات اليسر أو الشدّة "ممّا يلزم بالكينونة على بال من نفسه ليستطيع سبر أغوار الضمائر الغابرة…".

و الحق أننا محظوظون بهذا الخصوص، ذلك أننا نتوافر على وثيقة هامة ضمّنها بورقيبة ما اعتبره هو أهم الأسباب التي جعلته يتريث في القضاء على المؤسسة الملكية في مرحلة أولى قبل أن يزمع أمره على إعلان الجمهورية تحت ضغط مستجدات مازال الغموض يكتنف جوانب منها، في مرحلة ثانية.

ولكن علينا قبل ذلك أن نتوقف هنيهة عند فكرة الجمهورية لدى بورقيبة قبل جويلية 1957.

إن المصادر بهذا الصدد جدّ ضنينة و الموجود منها لا يسمح –بالنهاية –إلا برسم صورة عامة حول الموضوع لا غير.يقول مصطفى الفيلالي أحد وزراء حكومة الاستقلال الأولى " إن مضمون النظام الجمهوري كان معلوما قبل خمسين عاما من إعلان الجمهوريّة".و لسنا ندري هل هذا الكلام يشمل بورقيبة أم انه مقصور على المنصف باي و مواقفه المعروفة من العرش الحسيني.

 ويعتبر مقال بورقيبة في "الاكسبريس" l’Express بتاريخ 29 ماي 1954 و الذي المح فيه إلي شكل نظام الحكم في تونس بعد الاستقلال أقدم وثيقة لنا بهذا الصدد إذ قال في معرض تشهيره بموافقة الأمين باي على اصطلاحات بيار فوازار  Pierre Voizard المعلن عنها في 4 مارس 1954 و التي لاقت الرفض لدى كل التونسيين ما يلي:" إن أمراء البيت الحسيني قد تكشّفوا في الماضي عن كونهم مناحيس عاجزين عن التكفير عن خطئهم و عن الانسجام مع الواقع القومي. إنها سلالة منحلة الأخلاق و من الواجب إبقاؤها في معزل على حدة ريثما يتم إلغاؤها سواء أقمنا ملكية دستورية أو جمهورية. فالمهم هو أن فرنسا لا تبقى يستهويها الميل إلى استخدام ملك بمثابة الحاجز الواقي تعمل من ورائه على إقرار ديمومة هيمنتها على الأمة…"

ولئن أسر بعض رفاق بورقيبة المقربين خلال بعض اللقاءات الخاصة أو الضيقة إلى أن" الزعيم "أبدى ميلا " في وقت من الأوقات إلي الملكية الدستورية، و هو ما أكدته في لمع عابرة بعض الصحف الفرنسية المعروفة، فان المعنيين بالأمر في المقام الأول، و عنينا هنا الباي و عائلته، كانوا واثقين من أن بورقيبة سيلغي الملكية ما إن يستقر له الأمر و تستتب الحال.

 يقول الأمير الشاذلي باي في هذا المعني "عندما جاء بورقيبة [في 1 جوان1955] نظر إلينا الباي و قد أدمعت عيناه و قال لنا "ستندمون !ذلك أن البايات كانوا يرون أن بورقيبة يعني الجمهوريّة أي انه سيزيح البايات (كذا) و سيعلن الجمهورية "و يضيف "لقد كنت أتوقع إعلان الجمهورية " وهو ما أكدته الأميرة زكية باي من خلال قولها "كنا ننتظر انه [بورقيبة ]سيلغي الملكية " و قد بلغ الأمر بصهر العائلة المالكة الدكتور محمد بن سالم أن أشار على الباي بإقرار الجمهورية.

و الحاصل من كل هذا آن بورقيبة الذي كان ينطوي على ازدراء واضح للعائلة الحسينية كان يتحين الوقت المناسب للقضاء على الملكية و إحلال الجمهورية محلها        و هو ما أفضنا فيه أعلاه.

ثلاث أسباب رئيسية يأخذ بعضها برقاب بعض جعلت بورقيبة يظهر طول أناة و لا يستعجل أمر تغيير نظام الحكم في تونس و من ثم يبقى " الشخصية الثانية في البلاد وراء ملك كان أحيانا يبدي شديد الارتياح للحضور الفرنسي و ذلك في الوقت الذي كان فيه يعتبر الشخصية الأولى…".

سندع بورقيبة نفسه يوضح لماذا ظلت الجمهورية "موقوفة التنفيذ"مدة خمسة عشر شهرا بعد أن أخذ لنفسه مسافة من الحدث المذكور و لن يكون تدخلنا إلا بالقدر الذي يسمح بإبداء بعض الملاحظات التوضيحية لا غير…

و يطالعنا في هذا الصدد أمر مهم مؤداه أن بورقيبة كان متخوّفا من نتيجة ما أزمع عليه أمره غير واثق تمام الوثوق –رغم كل التدابير و الاحتياطيات التي مهدت السبيل لإلغاء الملكية –من أن يكون التوفيق حليفه فيما يمكن اعتباره ضربا من ضروب المخاطرة.

استمع إليه يقول:" و قد رأينا بعد تجربة دامت خمسة عشر شهرا قضيناها في الملاينة و التعرف على الميول الحقيقية و النوايا الخفية أنه لابد[…] من الاضطلاع بكامل مسؤولياتنا، فتوكلنا على الله، واندفعنا في مغامرة لا نعرف ما ستلقاه من ردود الفعل، خاصة أن معاهدة باردو القاضية بتعهد فرنسا علنا بحماية الملك و الأسرة الحاكمة مازالت لم تلغ قانونيا و رسميا و دوليا..".

و بالعودة إلى ما ساقه بورقيبة في خطبه من مسوغات حتمت برأيه تأجيل ذلك "الانقلاب الداخلي" نفهم لماذا كان الرجل يستحث اقرب أقربائه على ضرورة "تهفيت (كذا) الأمور" و" تهدئة الموضوع"(كذا) و تأبط عدّة الاحتراس بعدم إثارة مشكلة تغيير هيئة الحكم لأن هناك " هناك مناورات تحبك و محاولة من القصر لمطالبة الفرنسيين بحماية العائلة المالكة و أن للطاهر بن عمار ضلع في ذلك…".

و كان من بين نتائج أسلوب " مداراة" الباي و المؤسسة الملكية كما ذكرنا، البطء المسجل في صياغة بنود الدستور التونسي" لأن اللجنة المكلفة بالتحرير لم تكن تعرف في أي قالب سيكون النظام: جمهوري أم ملكي دستوري لأن تحرير الفصول سيختلف…".

نأتي الآن إلى العراقيل التي واجهت دولة الاستقلال و التي صنفها بورقيبة إلى داخلية و خارجية، إذ كانت الدولة" أمام واجهات متعددة، الواجهة الداخليّة بما فيها من فتن و مداخلات و مشاحنات و بلبلة في الأفكار و مؤامرات استعماريّة، و الواجهة الخارجية بما تحمله من مفاجآت [فكان] لابد من الانتصار على جميع هذه الواجهات…".

و قد رتب بورقيبة الأسباب المومإ إليها على النحو الآتي:

 أولا: رواسب العهد الاستعماري الذي لم يكن يسمح للدولة بالعمل لفائدة الشعب، في سبيل توفير الخير لجميع طبقاته وتنفيذ الخطط المرسومة لذلك، فلم يكن بمستطاعنا تشريع القوانين و تنفيذها بتمام الحرية مادامت فرنسا جاثمة بجيشها القوي على صدورنا، و مادام العهد البائد متجسما في هذا الجيش الذي تفوق قوته قوة الدولة التونسية[فالملك] و إن كان لا يمارس السلطات الفعلية، فإن فرنسا تستطيع من الناحية القانونية أن تستعمله في الإضرار بنا اعتمادا على القوة المادية التي تتصرف فيها و ضرب المكاسب الوطنية التي أحرزنا عليها و ربما نقع في نكسة خطيرة العواقب عميقة الآثار…".

ثانيا: بقايا عناصر الفتنة[…] بما تبثه من شحناء و تناحر، رغم النجاح في القضاء على الجانب الكبير منها، و ما كانت هذه الفلول تنسجه من مؤامرات في الداخل و الخارج    و ما يأتيها من أسلحة و إعانات من الخارج…و إنكم تذكرون ظروف عام 1957، و ما كان يجري بين المواطنين من تقاتل، و ما يتعرض له الدستوري من ذبح و تمثيل و ما يرد على المتمردين من أسلحة، و بقاء المحكمة الشعبية قائمة و وجود التباس بين الثورة الجزائرية و الفتنة اليوسفيّة. و هذا العنصر كان لوحده كافيا لبث أسباب الوهن و الضعف في كيان الدولة نفسه. و كان على الدولة و الحالة تلك [… ] 

أن تسعى للتغلب على تلك الفتنة، و توحيد صفوف الأمة قبل كل شيء لتستطيع الاضطلاع بمهامها و في طليعتها تصفية البقية الباقية من الاستعمار لأن تلك المهام مرتبط بعضها ببعض أشدّ الارتباط.

  و يقتصر دعاة الفتنة على إثارة الجدل و النقاش حول أفضل الطرق الموصلة إلى تصفية الاستعمـار [..] و لكنهم أخذوا يتملقون بعض المقاومين الذين لا يزالون قابضين على أسلحتهم و يتملقون غيرهم لإشعال نار الفتنة. و كان ذلك من أكبر الأخطار التي تهدد الدولة من الداخل[ لقد انقلب أولئك المقاومون ] إلى سياسيين مسلحين يتطلعون إلى الإكبار و الألقاب و الولائم و يتصرفون طبق مشيئتهم، و يكون لهم رأي و اجتهاد في الشؤون العامة، فلا يوافقون على سياسة الحكومة، و لا يوافقون على طرد صالح بن يوسف من حظيرة الحزب أو على بنود الاتفاقية المعقودة مع فرنسا […] ثم يرفضون الاعتراف بالدولة بناء على أنهم معارضون ثم يقبلون على ارتكاب ما يشاؤون من أعمال بناء على أنهم غير معترفين بالدولة [ و الحاصل ] إنها لمحنة كبرى…"

 ثالثا: الواجهة الخارجية بما تحمله من مفاجآت…". و جليّ أن بورقيبة كان يتوقع – وهو ما ستؤكده الأحداث لاحقا – أن يقابل إلغاء الملكية في تونس بالشجب و المعارضة  و في أقل الأحوال بالإنشغال و الامتعاض من لدن أقطار مغاربية و عربية و حتى غربية      و إن اختلفت رؤى كل جهة مناهضة و مسوّغاتها..

هكذا ندرك – و قد يبدو في ذلك شيء من التكرار- لماذا كان بورقيبة يتجنب ردود الأفعال غير المحسوبة و يأمر مناضلي الحزب و أنصاره بعامة من " الهاتفين بالجمهورية" باطراد اليقظة لأن تغيير هيئة النظام يستلزم مهلة من التدبر و فسحة من الزمن ضرورية لتذليل مصاعب داخلية على قدر من التعقد و الاستعصاء غير قليل.

و الحاصل من هذا أن بورقيبة، الذي أدرج إعلان الجمهورية ضمن " نطاق تصفية الاستعمار و التخلص من رواسبه.."  أراد أن يجمع شروط النجاح من أطرافها قبل أن يقدم على إلغاء الملكية، نقرأ له في هذا المعنى:" و هكذا دخلنا المعمعة و ظهورنا غير معرضة للسهام و الدولة نظيفة طاهرة من رئيس الدولة إلى الوزراء، و لا يضر الأمة وجود بقايا فتنة و تناحر في جزء من القاعدة الشعبية. هذا هو الشرط الأساسي الذي وفرناه للنجاح في معاركنا عندما قرر المجلس التأسيسي إلغاء النظام الملكي و إحلال النظام الجمهوري محله. ثم توكلنا على الله و على إرادة الشعب و على إخلاصنا و صدقنا و ما للأمة من الثقة بنا، و مالها من حسن التفهم و الإدراك و خضنا المعامع و ميادين الجهاد..".

  و يسعفنا بورقيبة في ذات الخطاب بإيضاحات مهمة حول أسباب عدم تدخل فرنسا لحماية الملكية في جويلية 1957 إذ قال:"[ إن] مواقفنا السياسية و اتجاهنا الخارجي و قوة أنصارنا و أصدقائنا في الخارج و رغبة كثير من الدول في كسب ودنا باعتبار ما نتحلى به من جد و رغبة صادقة في الاضطلاع بواجباتنا بكل نزاهة و إخلاص و استعداد لتفهم الأمور المعقولة و التعاون الضروري مع الجميع، كل هذه العوامل حملت فرنسا على عدم التدخل في هذا الانقلاب الداخلي فانحازت لرأي سفيرها في تونس الذي لا ننسى موقفه الرصين حيث رأى أن مصلحة بلاده تتمثل في مسايرة النظام الجديد و عدم اللجوء إلى التلاعب و المساومات، وهو موقف جعله في نظر التونسيين موضع إكبار و تقدير".

 ج- هل حرم بورقيبة الأمين باي من تنّح عن الحكم مشرّف ؟

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال تحسن الإشارة إلى أن استقصاء النظر في جملة من الدوافع الخفية والعلنية التي سوغت التمشي المرحلي المتأني لبورقيبة في إقرار الجمهورية نظاما للدولة الوطنية الناشئة قد قادنا إلي الوقوف على جانب مما يمكن اعتباره الأسباب الموضوعية لإلغاء الملكية في تونس.على أن الباحث لا تعوزه الشواهد للتدليل على أن لخلفيات حدث الجمهورية أسباب ذاتية هي من الوضوح و القوة بحيث لا يمكن التقليل من أهميتها أو إسقاطها من حسابه أن هو رام الإحاطة بمقدمات حدث الجمهورية إحاطة اقرب إلى الشمول و الاستفاضة.

و لان الاستفهام الذي تصدّر هذا العنصر الفرعي يحيل على الجانب الذاتي في المسالة فانه لا مندوحة لنا من التعريج على هذا الدافع وان في إشارات سريعة.

من المسلّم به أن بورقيبة كان ينطوي حقد و ازدراء بيّن للسلالة الحسينية بعامة و لآخر عنقود البايات بخاصة و ذلك قبل استقلال البلاد، إذ كانت تلك العائلة تجسّد في نظره أشياء كثيرة كان يمقتها و التي ليس أقلّها هيمنة الحاضرة على الدواخل، و تفنّن أسرة أرستقراطية في الغطرسة و الصلف لا تني عن معاملته بتكبّر و لا تتردد-بمناسبة وبغير مناسبة- في تذكيره بمنبته المتواضع و ازداد كره بورقيبة للامين باي لما أبداه هذا الأخير من ملق للسلطة الفرنسية بعد الاستقلال الداخلي و خاصة لمّا عمد إلي تقريب صالح بن يوسف غريمه الأول إليه و هو ما رأى فيه بورقيبة "جمعا بين متناقضين إذ قال :"فهو يؤيد الدعوة اليوسفية على ما فيها من تطرف و دعوة صريحة للحرب و الاستمرار في الكفاح المسلح و يؤيد في الوقت ذاته السلطة الفرنسية و يتزلف لها. و لا يخلو هذا الموقف المتناقض من اللعب على الحبلين…"و لابد أن نضيف إلى كل ما ذكر حتى الآن ما كان الرجل يطوي عليه جناحيه من رغبة جامحة في الاستئثار بالسلطة و التفرد بها إذ طالما ردد في لهجة تشي بنوع من جنون العظمة "نعم إنني لم أفكر قط في الحكم و إنما الحكم هو الذي يسعى إلي باعتبار انه لم يكن في البلاد أحد غيري قادرا على سدّ الفراغ و القيام بالواجب على الوجه الأكمل.." و لعل مس التعاظم، هذا مجدولا في ضفيرة واحدة مع جملة الأسباب المار ذكرها هو الذي يفسر لماذا استكثر بورقيبة على الأمين باي خروجا مشرفا من على الركح السياسي. فإذا نحن أبحنا لأنفسنا شيئا من الاطمئنان لما جاء في جريدة "لوفيغارو" Figaro Le في نشرتها بتاريخ 21 جويلية 1957 فان فكرة التنازل عن العرش قد خامرت الأمين باي الذي يبدو انه أراد ضرب عصفورين بحجر واحد:تامين خروج مشرف من على سدة الحكم.وإرباك بورقيبة و جماعته الذين كانوا حريصين على أن تكون نهاية الحسينيين نهاية مخزية. وهاك ما جاء بالحرف في هذا الخبر الذي حبّره مراسل الجريدة في تونس وورد في صيغة أبعد ما تكون عن الإثارة الصحفيّة الرخيصة:

" يجمع الملاحظون على الاعتقاد أن الباي يبحث عن استباق الحزب الدستوري الجديد و هو يسعى في نفس الوقت للتفتيش عن "محطة"(كذا) له و لعائلته. و سيكون سعيدا في هذا الحال لو يجد صيغة مهذبة تمكنه من التخلي عن العرش و الخروج من الساحة خروج من حاز أمجاد الحرب، و في هذا الظرف فان تنازلا كهذا سيربك بالتأكيد مخططات الحزب الدستوري الجديد الذي يراهن على عملية خلع للباي مدوية…".

لنسارع بالتسجيل انه لا يمكننا أخذ هذا الخبر الصحفي على حرفيته، و بالتالي نحتفظ على التعاطي على ما جاء فيه أساسا للقول أن بورقيبة سعى إلى حرمان الباى من تنح مشرّف عن سدّة الحكم.و بعبارة أخرى :إن الأمر من الخطورة بحيث لا يمكن إصدار إقرار في هذه المسالة المهمّة تأسيسا على شاردة فردية حتى وان بدت قريبة إلى الصدقية.

إن البياضات التي يرصدها دارس خلفيات إعلان الجمهورية لا يمكن ملؤها بالاقتصار على ما تتضمنه الشهادات و المذكرات التي ازدهر ت سوقها في السنوات الأخيرة، لا ولا إلى التمشيات القائمة على استقصاء ضمائر الأموات، بل علينا انتظار ما ستنجلي عنه أرصدة الوثائق الأرشيفية من بيانات وحقائق.ومما يزيد مهمة الباحث تعقيدا و يؤكد بالتالي صعوبة البحث في تاريخ الزمن الراهن "مراجعة"الفاعلين لمواقفهم في بعض الأحيان.

خـاتـمــة:

حاولنا على امتداد  فصول هذه الدراسة استشفاف العناصر المكونة للتمشي المرحليّ البورقيبيّ الذي أفضى إلى إلغاء الملكية و إقرار الجمهورية نظاما جديدا للدولة التونسية حديثة التكوين.

و مما يستصفي من خصائص التمشيّ المذكور، كما تبين لنا من خلال ما حشدنا من أدلة و قرائن، أن بورقيبة خطط لعملية تغيير هيئة النظام بتدبّر و إحكام متوخيا في ذلك تدرجا مدروسا زاوج بين المرونة و المسايرة حينا و الضغط الحازم حينا آخر. و بالتدريج أدى ذلك النهج إلى خلق "إحساس شامل"في البلاد مؤداه أن الملكية و كل ما يحيل عليها أصبحت نشازا كبيرا في  خضم الإصلاحات الكبرى التي عاش المجتمع على نبضها حينذاك في فورة من النخوة الوطنية غير مسبوقة.

و قد اختزل رئيس تحرير جريدة "الدبيش تونزيان" ذلك الإحساس بقرب حدوث أمر جلل ما في البلاد بقوله "الكل يشعر هنا انه شاهد على وقوع المحتوم.محتوم جاء في وقته، بلا تسرع، و بلا " تشنجات.