الاتجار بالأشخاص في تونس: استغلال جنسي.. إيسَار بالدّيْن وكراء الرضع للتسوّل بهم.. وروضة العبيدي تدق ناقوس الخطر (حوار)

يـسرى الشيخاوي-

أقرت رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص روضة العبيدي بتسجيل عدد هام من حالات اتجار بالأشخاص في تونس مبينة أن أشكال هذه الممارسات متعددة ومتنوعة من بينها الاستغلال الجنسي و الاتجار الدين وتأجير الرضع للتسول بهم.

وفي حوار أجرته معها حقائق أون لاين، بينت روضة العبيدي بأنّ الهيئة سجّلت وجود 700 حالة اتجار بالأشخاص في تونس سنة 2017 في ظل تلقيها عددا كبيرا من الإشعارات منذ تدشينها، مشيرة إلى أنّ هذه حالات الاتجار متنوعة.

ولاحظت أن تونس معنية بكل أشكال الاتجار بالأشخاص إلا شكلا واحدا وهو المتاجرة بالأعضاء البشرية، مشيرة إلى أن أكبر نسبة من الحالات التي سجلتها الهيئة تتعلّق بالاستغلال الاقتصادي وتليها حالات الاستغلال الجنسي.

وعن أشكال الاتجار بالأشخاص الموجودة في تونس، قالت العبيدي ” إلى جانب الاستغلال الاقتصادي يوجد  الاستغلال الجنسي وايسار الدّيْن الذي مازال موجودا إلى الآن في المناطق الريفية” مبرزة أن الهيئة تلقّت إشعارات بخصوصه ويتمثل في ارتهان شخص عليه دين رفقة عائلته لصاحب الدين واشتغاله لديه مقابل إطعامهم”.

شبكات تسول عائلية.. وعائلات تؤجر الرضع

وفي ردّها عن سؤالنا عما إذا كان الاتجار بالأشخاص في تونس أصبح ظاهرة، اكتفت العبيدي بالقول إنه لا يمكن التهاون بالأرقام المتعلّقة بجرائمه، مبرزة ان بعضها تكون في صلب العائلة كأن يكوّن العم او الخال شبكة تسول ويجمع أطفال العائلة ثم يوزعهم على مفترقات الطرقات ليتسولوا ثم يعيدونهم إلى منازلهم وقد أعطى لكل منهم نصيبه من مردود التسول.

وتابعت بالقول ” بعض النساء يتسولن باستخدام الرضّع رغم أنهن مسنات ولسن في سن الإنجاب وأثبت بحث أجرته الهيئة في الموضوع أنهن يستأجرن الرضّع من عائلاتهم طيلة اليوم ثم يعدنهم إلى أهاليهم في المساء مقابل 15 أو 20 دينارا”.

استغلال القاصرات

وفي تونس يتم استغلال القاصرات حيث رصدت هيئة مكافحة الاتجار بالبشر وضعيات عدّة من بينها وضعية تمثلت في نوم فتاة قاصر تشتغل معينة منزلية في حوض الاستحمام على لحاف خفيف مقابل نوم أبناء العائلات في أسرّة مرفّهة، وفق قولها.

استغلال جنسي واقتصادي لتونسيين في الخارج

وفي معرض حديثها عن جرائم الاتجار بالأشخاص قالت ” بعض التونسيين سواء كانوا فتيانا أو فتيات يسافرون خارج تونس ويتم استغلالهم بأبشع الطرق سواء في المجال الجنسي أو المجال الاقتصادي، وبعض الفتيات يتلقين تكوينا في مكاتب موجودة في تونس سواء في الحلاقة أو الخياطة وبعد فترة التكوين التي يبدو أنها ليست إلا كاستينغ لاختيار الفتيات الجميلات يتم اقتراح عقود عمل في الخارج”، لافتة إلى أن  البعض ممن يبحثون عن عمل خارج تونس يجدون أنفسهم في وضع شبيه بالعبودية وأحيانا وضع عبودية، طبقا لقولها.

واستطردت ” هذا لا ينفي كون بعض التونسيين يعملون في الخارج وكرامتهم محفوظة وبالتالي لا يجب المس من اعتبار الاشخاص الباحثين عن عمل في بلدان الخليج أو البلدان الأوروبية.”

مراجعة قوانين مكاتب التشغيل ضرورة ملحة

رئيسة هيئة مكافحة الاتجار بالأشخاص أكدت على ضرورة مراجعة قوانين مكاتب التشغيل وإرساء آليات رقابة خاصة أمام تزايد عدد المكاتب التي تعمل بصفة غير قانونية والتي يرسل بعضها الشباب إلى الخارج بعقود عمل مزورة لتُفتكّ جوازات سفرهم ما إن يصلوا المطارات المعنية، مشيرة إلى انّ مثل هذه الحالات سجّلت في بلدان عربيّة.

ودقّت رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص ناقوس الخطر في ما يتعلّق بمكاتب التشغيل وحمّلت الدولة والحكومة المسؤولية، داعية إلى إيلاء هذا الموضوع أهمية عاجلة وأكيدة لمعرفة من يقف وراء هذه المكاتب.

وأشارت إلى أنّ بعض الحالات التي تم تسفيرها عبر مكاتب تشغيل والتي وصفتها بالناجية حضرت إلى مقر الهيئة وروت شهادات مفزعة، معتبرة أن التصدي لظاهرة تسفير الشباب من أجل استغلالهم جنسيا أو اقتصاديا تحت غطاء العمل مسؤولية الإعلام والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة.

سماسرة الفتيات

وبخصوص ما راج عن وجود أسواق لبيع القاصرات في احدى مناطق بنزرت، قالت روضة العبيدي إن هيئة مكافحة الاتجار بالأشخاص طلبت توضيحا من وزارة شؤون المرأة التي وجهت فيها مراسلة تتعلق بسماسرة وليس أسواقا لبيع الفتيات بمعنى أن السماسرة يبحثون عن فتيات بمواصفات معينة للعمل معينات منزليات، مؤكّدة أن تونس ليست أرض عبودية.

100 حالة اتجار بالأجانب في تونس

وبالنسبة لحالات الاتجار بالأشخاص الأجانب في تونس، قالت روضة العبيدي إن الهيئة تعهّدت بحوالي 100 تشكّ سنة 2017، لافتة إلى وجود عديد الجنسيات العربية والإفريقية سواء في الضحايا أو التجار.

وأضافت “بعض الاجانب يحلون بتونس على أساس أنّها منطقة عبور يتحوّل منها إلى الدول الأوروبية ليجد نفسه في تونس دون نقود أو أوراق وهي وضعية هشّة  تسهّل الاستغلال، مضيفة “هناك شبكات أجانب من نفس الجنسية يكون رئيسها عادة ضحيّة ويستقدم الفتيات من بلده ويستغلهن بطريقة غير قانونية”.

وتابعت قولها” ضحايا كثيرات  قدمن بالأساس من أجل الدراسة في الجامعات الخاصة أو بموجب عقد عمل لتُفتكّ أوراقهن ويتحولن من المطار مباشرة لخدمة إحدى العائلات في تونس بعد ان تكون قد دفعت الثمن لرئيس الشبكة”.

آليات عمل الهيئة

وفي ما يتعلّق بطريقة عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، قالت روضة العبيدي إنه ما إن يتم الإشعار سواء عن طريق المجتمع المدني أو الوزارات حتى تتعهّد الهيئة بالموضوع وتتصل بوزارة الداخلية ووكالة الجمهورية للتعرف على الضحية والمستغِل، مضيفة “الداخلية تقوم بمجهود كبير في هذا الجانب”.

وأشارت إلى أنّ تركيبة الهيئة المتنوعة التي تضم ممثلين عن الإعلام وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وعن عدد من الوزارات  سهّلت عملية التدخل الفوري، مبرزة أنه تم التعهد بملفات عدد من الضحايا بصفة عاجلة على المستوى الطبي إذ أن الدولة التونسية تكفّلت بإجراء عمليات جراحية باهظة لبعض الأجانب ضحايا الاتجار بالأشخاص.

وأضافت “بعض الضحايا فروا من منازل مستغلِيهم والتحقوا بمقر الهيئة حيث تم فورا الاتصال بوزارة الشؤون الاجتماعية  لتوفر لهم السكن ومن بين حالات الأجانب التي تعهدت بها الهيئة نفسيا واجتماعيا وصحيا، هناك ضحايا عبروا عن رغبتهم في العودة إلى بلدانهم”.

وتابعت بالقول “أغلب الحالات وظّفت عليها معاليم قنصلية ومن بين 20 حالة أرادت الرجوع إلى بلدها تم إعفاء 10 من المعاليم القنصلية بموجب الأمر الصادر في 26 سبتمبر 2017 بناء على قرار من الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص فيما تتم دراسة الحالات العشر الأخرى”، معربة عن شكرها لمنظمة الهجرة الدولية التي توفر تذاكر السفر للراغبين في العودة إلى بلدانهم”.

وأشارت إلى أنه يتم أحيانا توفير المرافقة الطبية لبعض الضحايا على اعتبار أن من ضمنهم من يشكّل خطرا في حال صعوده الطائرة وذلك بالتنسيق مع منظمة الهجرة الدولية.

الصعوبات

وعن الصعوبات التي صادفت الهيئة منذ انطلاق عملها، قالت العبيدي ” الهيئة صادفت عديد المشاكل لكن الصعوبات لم تشمل التدخل في الوزارات إذ أن وزارة الداخلية أقرت عفوا في المعاليم القنصلية لبعض الضحايا نظرا لوضعيتهم قبل صدور أمر 26 سبتمبر 2017″.

وأضافت “ليس من السهل أن تعمل الهيئة لسنة كاملة دون مقر إذ لم يكن بإمكاننا استقبال الضحايا ولا القيام بحملات تحسيسية، ولكن حماس أعضاء الهيئة جعلنا نستثمر الوقت ونشتغل على الاستراتيجية الوطنية التي ستصدر قريبا بعد المصادقة عليها من الوزارات المعنية كما اشتغلنا على الخطة الوطنية وآلية الإحالة التي تسهل الإشعار على حالات الاتجار بالأشخاص، وانكببنا هذه الفترة على تركيز أرضية لعمل الهيئة.

وأصدرت الهيئة دليلا للقضاة ودليلا للأمنيين في علاقة بجرائم الاتجار بالأشخاص ومن المنتظر أن تنظم قريبا حملة تحسيسية في المبيتات الجامعية حيث سيتم توزيع محامل تحتوي تعريفات تتعلّق بجرائم الاتجار بالبشر وفتح نقاشات مع الطلبة، وفق ما أفادت به روضة العبيدي.

حملات تحسيسية

وأكّدت العبيدي أن جانبا هاما من عمل الهيئة يتمثّل في التوعية إذ تنوي الهيئة إطلاق حملات في المطارات والمدارس إضافة إلى ومضات تحسيسية في المهرجانات مع التعهد مشيرة إلى ضرورة أن تكون القوانين متناغمة قائلة “من غير المعقول أن يتناقض قانونان بخصوص عقوبة تشغيل أو السن القانونية للتشغيل”.

وفي ردها عن سؤالنا عما إذا كانت الهيئة قد اقترحت مشروع قانون لتجاوز هذا التناقض، قالت العبيدي “تونس لديها ترسانة كبيرة من القوانين ونحن نحاول ان نتدخل في مجال عملنا مثلا لنقترح تنقيح مجلة الشغل بما يتلاءم مع مجلة حماية الطفل وقانون الاتجار بالأشخاص”.