التحيّل السياسي من مشمولات الحملة على الفساد؟! 

14 جوان 2017
12
بقلم : خالد شوكات 

تحفلُ مراحل الانتقال السياسي كالتي نمرُّ بها منذ 2011، بعديد الظواهر المثيرة اللافتة للانتباه، لعلَّ من أخطرها ما يمكن أن نسمِّيه ب"الراسبوتينية" ( نسبة إلى راسبوتين)، وهي من أخطر أنواع "الفساد" عامة، و"الفساد السياسي" خاصة. وتعني الراسبوتينية التسلُّل  إلى دائرة الحكم والسلطة عبر الألاعيب والحيل واستغلال نقاط ضعف النظام السياسي، وهي مشتقة من اسم المشعوذ الروسي "غريغوري يافيموفيتش راسبوتين" (1869-1916) الذي اخترق دائرة القيصر الروسي نيقولاي الثاني في بداية القرن العشرين، وهيمن من خلال طرق ملتوية دون وجه حق على مركز القرار السياسي في سان بطرس بورغ العاصمة الملكية الروسية، وَسَخَّر مواهبه في الإيهام والخديعة لتصفية خيرة السياسيين وتأليب القيصر عليهم، بِمَا عمَّق أزمة نظام الحكم، ووسّع مجال الشك بين الحاكم والمحكوم، وشجع العُمْلَةَ السيِّئةَ على حساب العملة الحسنة، وقادَ في نهاية الأمر إلى سقوط السقف على أهل البيت وإعدام القيصر وعائلته على بكرة أبيها. 

كرَّرتُ دائما فكرة "ضرورة التمسك بالأعراف الديمقراطية" كسبيل وحيد لحماية النظام الديمقراطي الناشئ من الاختراقات "الراسبوتينية" القاتلة، وكآلية فاعلة في وجه "التحيّل السياسي" الذي هو عنوان "الفساد السياسي" الأوّل والمهدد الرئيسي لاستقرار واستمرارية ونجاعة مؤسسات الحكم، فالراسبوتينية الجديدة أو التحيّل السياسي، التي سبق لي أن أشرت إليها في مقالات سابقة في حالات معينة دون منحها هذا العنوان، هي التي تقود أشخاصا يفتقدون الشرعية الشعبية والقانونية والأخلاقية، ناهيك عن فقدانهم الكفاءة بمعنى المستوى العلمي والسيرة الذاتية والتجربة القيادية، إلى الصف الأول لمركز القرار، على حساب أهل التفويض الشعبي والقانوني، وهو ما نلاحظه اليوم تماما في محيط رئيس الحكومة الوزاري والاستشاري، وحذّرنا منه حرصا على تواصل تجربة حكومة الوحدة الوطنية، التي لا نريدها تشريعا لتجاوز العرف الديمقراطي، إنما تمتينا له وبناءً عليه. 

إن من أهم نقاط الضعف التي يمكن أن تحول دون نجاح الحملة على الفساد، استغلال الراسبوتينية لها على نحو تكون معها في واقع الأمر "كلمة حق أريد بها باطل"، وفِي سيرة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في هذا السياق قصة تستحق أن تروى، فقد قال له أصحابه وهو يقارع معاوية، إن هذا يأخذ من بيت مال المسلمين ويعطي رؤساء القبائل ووجهاء القوم ما يستميلهم به ليقوى بهم عليك فلماذا لا تفعل مثله حتى يستتبّ لك الأمر ثم تعود بعد ذلك إلى سيرتك الأولى، فكان جوابه " أَأردتموني أن أنصر الحقُّ بالباطل"، فالحق برأي الحاكم الصالح لا ينصرُ إلا بوسائل حقَّانيّة شفّافة وعادلة.

وقد تضمّنت كلمةُ نائب النداء الدكتور الفاضل بن عمران الأخيرة في البرلمان، ما يرشدُ رئيس الحكومة إلى أحد مواضع الخلل في الحملة على الفساد، أن يجعل عليها من هم بالنسبة إلى المفوضين ديمقراطيا وشعبيا عناوين للالتفاف على الأعراف الشعبية وإرادة الناخبين، فهؤلاء ممن لا يتورع في استعمال أقدس الشعارات لتحقيق مآرب ضيّقة ومؤقتة على حساب مصالح الوطن العليا، وليس في السير الذاتية لهؤلاء إلا بعض الألاعيب الراسبوتينية والثغرات الموجودة في جدار الديمقراطية، التي تمكنوا عبرها من الوصول إلى مركز القرار الحكومي.. ولله عاقبة الأمور من قبل ومن بعد.