حكومة الشاهد: الحرب على الفساد أم الحرب على مفسدين؟

27 مايو 2017
12
بقلم : خالد كرونة

ابتهج التونسيون وكاد بعضهم لا يصدّق أنّ حكومتنا العتيدة تجرؤ على بعض الأباطرة و تودعهم السجن و تصادر "أملاكنا" التي استحوذوا عليها ..اختفت وجوه من المشهد وهي تتمتم بالتعاويذ خشية أن ينالها ما طال أربابها ،انتشرت الشائعات، و وضعت القائمات: إعلاميون و قضاة وتجار،وموظفون "كبار" ،ومحامون ،ونواب ، وربما وزراء سابقون ...

تنادت الجوقة القديمة إلى التأييد،وهلّل المبشرون، وتليت سورة يوسف مرات، ونمت سيرة يوسف، وشُتم الذئب، ونُسي يعقوب،.. جمعيات باركت، وأحزاب ساندت، و بضع مئات على القصبة تقاطرت.. بيانات من المنظمات الوطنية، وبلاتوهات تلفزية، ومحللون "أكفاء" من أصحاب "الأيادي البيضاء" يلقون مواعظهم الباهتة،وقد انتفخت منهم الأوداج،وتعالى منهم الصوت الرجراج .. هتفوا للوحدة الوطنية وأدانوا كل متردّد في دعم الخطوات "الثورية"، ممّن زعموا "قاتلهم الله" أنها مجرد مسرحية ! 
بيد أنّ محاولة الفهم تقتضي التوقف عند النقاط الرئيسية التالية: 

ــــــ ما علاقة هذه الحملة بمخرجات قمة ترامب الخليجية؟ أليست إدارة الظهر لحلفاء الأمس من الإخوان؟ ولماذا تقوم القيامة على قطر ؟ ألم يكن شفيق الجراية فارا أيام الثورة التونسية؟ ألم يعد بضمانة من بلحاج ـــــــ الغنوشي ؟ والآن، وقد اتُّخذ دوليّا قرار إنهاء فجر ليبيا ، و قريبا دخول طرابلس، وتوسيع الدور المصري في ليبيا،ماذا بقي لشفيق ؟؟ رفع عنه الغطاء وهو العائد لتوّه من رحلة إلى سويسرا حضر فيها لقاء مع قيادات ليبية يُعتقد أن عبد الكريم بلحاج كان أحدها .. ولذلك ارتبكت النهضة، و اضطربت تصريحات مسؤوليها قبل أن يتلو "ديلو" بيانا وصله طازجا في بعض برامج الفضائيات . وهو ما يفسّر أيضا الاتهام الذي وجهه القضاء العسكريّ إلى شفيق .

ـــــ إعادة صياغة المشهد الإقليمي بعد القمة الترامبية بتمويل سعودي و مشاركة مصرية و دور إماراتيّ،  و قبول جزائريّ (فيما يتصل بمستقبل ليبيا) ينجرّ عنه بالتأكيد إعادة ترتيب البيت التونسيّ و خاصة تقليص تأثير الإسلام السياسي والنهضة على وجه التحديد، بل قد يطرح في المدى المنظور التخلي عن "توافق الأشياخ" . 

ـــــ ما جرى في تطاوين منذ أيام، مثل بلا ريب مؤشرا خطيرا تلقفته دوائر القرار في الدولة . و الخطر لم يكن متأتيا من الاعتصام السلميّ ولا من الفاعلين فيه (رغم أنه أزعج الدولة) ، فالخطر الأكبر كان من متنفذين دفعوا إلى تأجيج الوضع ـــ خلافا لإرادة الحكومةــــ  مستغلين مساحات هشة في الداخليّة ذات صلات أخطبوطية بشبكات التهريب و مافيا الحدود المرتبطة بألف خيط ببعض من تمّ إيقافهم . 

ـــــ  من السخف الاعتقاد أن منظومة الحكم ( النداء و النهضة خصوصا) التي استندت منذ قيامها إلى المال الفاسد و اتجهت إلى تكريس الأوليغارشيّة باتت في وضع المواجهة مع الفساد . و إلاّ كيف نفسّر اللجوء ــــــ على عجل ـــــ إلى قانون الطوارئ لتكوين ملفات و ندع ملفات أخرى موضوعة على ذمة القضاء منذ أمد بعيد وبعض المتهمين صدر ت في شأنهم بطاقات جلب و لا يزالون طلقاء بفضل الرعاية التوافقيّة؟ (انظر تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق 2011) وانظر تقرير (crises group).. 

ــــ إن ما يجري هو محاربة فاسدين فعلا ، ولكن على أساس انتقائيّ ، لأنّ الأوليغارشيّة ــــ كما كتب بعض الأصدقاء محقّا لا تحبّ العصاميّين ،  ولأنّ جوهر المسألة و مضمونها الاجتماعيّ أن الكمبرادور الحضريّ لا يستطيع التسامح أكثر مع رأس المال الريعي الطفيليّ خاصة إذا كان من الآفاق و ممّن لا يجالس لاغارد ولا يتنفس الهواء الأوربيّ . (وهي سمة لافتة في التركيبة التونسية نترك لعلماء الاجتماع تحليلها) .

ــــــ لا يمكن فهم هذه الحملة خارج شعور الدولة أن "انقلابا" يدبّر ضدّها يروم العبث بتوازناتها الأساسيّة وكذا بالتزاماتها الدوليّة، لذلك بادرت للدفاع عن كيانها تحت عنوان "محاربة الفساد" . فهل يمكن لأيّ حكومة محاربة منظومة الفساد بمنظومة فاسدة ؟ و على افتراض أن السيد الشاهد وضع كل المهربين الكبار في السجن ، ماذا سيقول للآلاف الذين كانوا يشتغلون عندهم حين ينتفضون غدا وليس لحكومته بديل اقتصادي حقيقيّ ؟ 

ــــــ هل علينا أن نكون معتوهين فنصدّق أن الدولة التي لم تدخر جهدا لمصالحة الفاسدين رغم تقارير لجنة البندقية و رغم موقف الاتحاد البرلماني الأوربيّ ستتحوّل بين عشية و ضحاها من دولة مافيوزيّة توظف جلّ قروض الاستثمار فقط لفائدة أقلية من أرباب العمل إلى دولة تحارب الفساد ؟ 

أيّ موقف مطلوب للقوى التقدمية ؟ 

1 ـــ لابدّ من مباركة إيقاف بعض رموز الفساد والضغط لاستكمال محاسبتها ضمن شروط المحاكمة العادلة و الدعوة إلى تفكيك الشبكات المتصلة بها . 

2 ـــ لابدّ من دفع الحكومة إلى الإعلان الرسميّ عن سقوط "مشروع قانون المصالحة" الذي سقط موضوعيّا ودعوة رئاسة الجمهوريّة إلى سحبه كليّا من أروقة مجلس النواب . 

3 ـــ بات ضروريّا دعم مسار العدالة الانتقاليّة (رغم كل عثراته) سبيلا وحيدا للمصالحة على قاعدة المحاسبة و تثمين الدور الذي لعبه شباب حملة "مانيش مسامح" و الاتحاد العام التونسي للشغل وكل القوى السياسيّة (بلا استثناء) التي كافحت ضد مشروع القانون سيء الذكر. 

4 ـــ الضغط لتوسيع الحملة على الفساد و رفع الغطاء عن كلّ رموزه ،شرطا أساسيّا لدعم خطوات الحكومة وإدانة كل تقاعس وانتقائيّة . لقد تورّطت حكومة الشاهد في طريق "صالحة" إذا لم تتوقف عن السير فيها ، ولا ينبغي السماح لها بالتوقف . 

5 ـــ معاضدة جهود هيئة مقاومة الفساد ، و المطالبة بدعم الإطار العدليّ في القطب الماليّ الذي تعوزه الإمكانيات البشريّة و الماديّة وتحويل هذه المهمة مطلبا شعبيّا تتمّ تعبئة كل الطاقات لمنع التراجع عنه . 

6 ـــ التبنّي الكامل لمطالب الشباب المنتفض في تطاوين و قبلّي و سائر الجهات و إسناد مطلب تكريس الشفافيّة في العقود المبرمة لصالح الشركات المشتغلة في مجال الطاقة و شركات الخدمات المتصلة بها وكشف كلّ الصفقات المشبوهة و محاسبة الفاسدين وفضح كل الرموز محليا و جهويا ووطنيا وخلق حالة تعبئة ضدّ الفساد تمنع النكوص عن التقدم في مقاومته. 

على سبيل الخاتمة: 
على كل الشرفاء والقوى الوطنية أن يضعوا نصب أعينهم أن كل رأي يحتقر قوة الشعب رأي خاطئ. ولا يمكن الوثوق لحظة بالبروباغندا الشاهدية إلا حين نرى ملفات تسليم البغدادي المحمودي وملفات بوشلاكة وملفات الأصهار والأبناء و ياسين ابراهيم ومحمد الفريخة والهادي الجيلاني وآل إدريس و الزهواني و لطيف و ملف الأموال الضخمة التي ضخت زمن الترويكا وملفات وكالة التبغ والخطوط التونسية وستيب والرش بسليانة وآلافا أخرى أخذت طريقها إلى المعالجة في الدوائر الحكميّة . 
إنّ مواجهة الفساد ليس نزهة رائقة، ولكنّه ليس مهمة مستحيلة أيضا. غير أنّ هذا لن يحصل ما دُمنا مغلولي الأيدي.