تونس.. الشارع والمؤسسة مرة أخرى

30 مايو 2017
12
بقلم : عبد الحميد الجلاصي

قبل أسابيع قليلة لم يبق من لفظ الثورة أكثر من رسم باهت، بعد أن فقد بريقه ولم تعد له نفس القوة كمرجعية للفعل السياسي. يتجاهله خطاب لأنه لم يؤمن بالثورة يوما، ويستدعيه خطاب آخر لإرضاء الضمير، ويحتكره البعض علامة مميزة للمزايدة وضبط الحيّز الانتخابي. وحصل لعنوان مقاومة الفساد ما حصل لعنوان الثورة رغم التنصيص عليه في وثيقة قرطاج المؤسسة لحكومة الوحدة الوطنية.

الحراك الاجتماعي الذي هز أخيرا محافظات من الوسط والشمال الغربي، وتواصل أكثر من شهرين في تطاوين، أعاد إلى  جدول الأعمال قضايا التنمية وتوزيع الثروات والشفافية في إدارتها.

وبين جهود التفاوض ومنعرجات التصعيد بعد تكليف المؤسسة العسكرية بحماية مواطن الإنتاج النفطي، وبعد سقوط شهيدين في المواجهات، وتزايد المخاوف من انحراف الحراك نتيجة الإحساس بالتجاهل أو التوظيف السياسي أو حتى الإجرامي، يتخذ رئيس الحكومة قرارا بإيقاف شخصيات خارج المسلك القانوني الطبيعي استنادا إلى قانون الطوارئ.

وفجأة يتغير المزاج، وينخرط الجميع في الحديث عن الفساد ومقاومته، ويتذكرون أنه أخطر من الإرهاب. ويتبارى الجميع في خطاب: ألم نقل لكم؟

الذكاء الثوري

في الوضع الديمقراطي يفكر الناس بصوت مرتفع، ويطرحون أسئلتهم  في الفضاء العام لأنهم  يدركون أن للساسة حساباتهم، وأنهم ليسوا ملائكة، وأن الخطاب قد يخفي أكثر مما يظهر. وهكذا كثرت التخمينات بشأن دوافع وتداعيات طرح الموضوع في هذه الظرفية وبهذه الفجائية، وانتظر الجميع توضيحا من الجهات المسؤولة.

وجاء خطاب رئيس الحكومة يوسف الشاهد فأكد العزم على مقاومة الفساد ولكنه لم يرفع اللبس، ووجد الشعب المتعطش للدولة القوية مشروع بطل، فتحدثت ألسنة خبيثة عن أن هذا هو بالضبط ما كان مقصودا.

رحب الجميع بالحرب على الفساد، ورأى كثيرون أنها تأخرت، ولكن ذلك لم يمنع من طرح الأسئلة:

- هل نحن بصدد سياسة عامة بناء على ملفات تراكمت لدى الحكومات المتعاقبة أم هي سياسة انتقائية؟

فخريطة الاعتقالات ومنطقها مربك، فالمعتقل الأبرز هو رجل أعمال يدور حديث كثير حول ثروته وتأثيره في عالم الإعلام والأحزاب، وحتى ارتباطاته الخارجية. ولكنه الوحيد المعتقل من قائمة طويلة من نفس الصنف.

كما أن القائمة تضم أسماء متورطة في التهريب و"الثروات المحدثة"، دون أن تكون هناك أسماء من أصحاب "الثروات العريقة".

- هل للاعتقالات علاقة بالاحتجاجات الاجتماعية من حيث تورط بعض المعتقلين فيها أو من حيث السعي للتغطية عليها؟

- هل لها علاقة "باعترافات" أحد المساجين المقربين من الرئيس المخلوع، حين كشف بعض الأسماء وشيئا من طريقة اشتغال ماكينة الفساد القديمة؟

- هل لها علاقة بالصراعات في السلطة وعلى السلطة ومراكز النفوذ فيها، استعدادا للاستحقاقات الانتخابية القادمة وخاصة رئاسيات 2019؟

- هل لها علاقة بالسيطرة على مواقع النفوذ في حزب "نداء تونس" وبالتأثير على أحزاب أخرى منافسة؟

- هل لها علاقة بالتطورات الأخيرة في الإقليم وبالصراع بين أجندات مختلفة فيه، وخاصة بعد القمة "الإسلامية/الأميركية" الأخيرة، والجريمة التي استهدفت عددا من أقباط مصر وخريطة التحالفات في الملف الليبي؟

التداعيات المباشرة والمتوقعة

الأسئلة السابقة هي مفاتيح للفهم، وفرضيات للاشتغال، وهي تعبير عن هواجس ومخاوف. وبعضها قد يأخذ وقتا للتوضيح، ومع ذلك يمكن أن نتوقع التأثيرات المباشرة التالية:

- نرجح أن يكون مشروع قانون المصالحة قد قُبر سياسيا وأخلاقيا. والتقى على قبره حراك تطاوين، واعترافات أحد أقارب زين العابدين بن علي، وحملة السيد رئيس الوزراء. فلا يُعقل إعلان الحرب على الفساد والمصادقة على قانون توجه له تهمة تبييضه.

- هيئة الحقيقة والكرامة خرجت كاسبة رغم كل محاولات العرقلة والتشكيك. فقد وفرت علنا معطيات تستدعي الملاحقة، وعدم المضي فيها دليل غياب للإرادة السياسية.

- الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أمامها فرصة للحصول على الموارد الضرورية لعملها، وتسريع البتّ القضائي في الملفات التي أعدتها، في انتظار تشكيل الهيئة الدستورية للحكومة الرشيدة ومقاومة الفساد.

وقد تكون لهذه الاعتقالات تداعيات تظهر لاحقا:

إن جدية التقدم في الملف ستربك التوازنات داخل بعض الأحزاب، إذا ثبت تورط نواب في تلقي منح مشبوهة. وهو ما سيؤثر على الاستقرار الحكومي، ويدفع إلى إعادة تشكيل المشهد الحزبي. كما قد تؤدي إلى التأثير في المشهد الإعلامي مؤسساتٍ وأفرادا.

يعبّر البعض عن الخشية من ردود فعل عنيفة من هذه الشبكات أو حماتها. وقد بينت التجربة التونسية أن للإرهاب عقلا يقوده في اختيار التوقيت والأهداف.

إن البحث في خلفيات السياسيين مهم، ولكن الأهم هو الانتباه إلى أن المبادرات بمجرد طرحها تصبح ملكا للتدافع، وتفلت بالتالي من إرادة أصحابها.

وأهم درس يمكن استخلاصه من جدل الأسابيع الأخيرة -بين قانون المصالحة، ومسار العدالة الانتقالية، والكامور (المنطقة الرمزية للاعتصامات)، واعتقال بعض الحيتان الكبيرة- هو أن الشارع لا يزال فاعلا في المعادلة الوطنية، والأمور لم تستقر بعد لإسلام القضايا إلى المؤسسات فقط.

الشارع العقلاني والتنظيمات الحزبية القوية والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة، هي أدوات المعادلة الوطنية في فترة البناء الديمقراطي. ويجب عدم التخلي أو التضايق من أي مكوّن في هذه المعادلة.

ويبدو أن الشارع فهم دوره بين المساندة والضغط، ففي السياسة يجب ألا تعطى صكوك على بياض. هي مساندة يقظة لتكون مقاومة الفساد سياسة شاملة، وغير انتقائية، ومنضبطة بأحكام الدستور.

احتجاجات تطاوين وإصرار أهلها وسلميتهم ضغطت على السياسيين وأعادت البوصلة إلى نصابها، فبعد المكاسب الكبرى في البناء السياسي لا بد من تركيز الجهود على التنمية ومقاومة الفساد، وكلاهما مسار. وهناك أكثر من رباط بين تحقيق التنمية والتوزيع العادل للثورة والحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد.

في الأشهر القادمة، ستتقدم تونس خطوة جديدة في ثورتها بإعادة توزيع السلطة بين المركز والأطراف، وهي مراجعة للتقاليد الراسخة للدولة المركزية.

وخلال ذلك، لا خيار للسيد الشاهد إلا التقدم في معركتيْ التنمية والحوكمة، وسيجد بجانبه وخلفه وأمامه كثيرين لدعمه. وإن لم يفعل فإنه سيكون جازف مجازفة مميتة، والمعارك الكبرى لا يمكن أن ندخلها بنصف رجل ولا أن ننظر إلى ميدانها بنصف عين.

نقلا عن موقع الجزيرة نت

الكلمات المفاتيح: 

  • اعتصام الكامور، مقاومة الفساد، حكومة الوحدة الوطنية، وثيقة قرطاج، يوسف الشاهد