تونس أو الفساد

25 مايو 2017
12
بقلم : محمد علي الصغير

«إمّا الدّولة أو الفساد، وأنا اخترت تونس»... بهذه الكلمات الدقيقة والمؤثّرة عبّر يوسف الشاهد، رئيس الحكومة عن موقفه صراحة من الحملة الشرسة التي تقودها حكومته منذ أيام على البعض من بارونات الفساد الذين فاحت رائحتهم وتعفّنت الأجواء من فرط تفشّي فسادهم واستشرائه في كامل المجالات الحياتيّة للشعب التونسي وعلى رأسهم شفيق الجراية...

يوسف الشاهد الذي وصفه الجرّاية نفسه بأنه عاجز حتى عن إيقاف «معزة» في تحدّ واضح لسلطة الدّولة والقانون، أدرك ــ ولو بعد حين ــ أن لا معنى للوعود التي تطلقها حكومته هنا وهناك لإخماد الحرائق الاجتماعية الملتهبة والمستعرة في جهات عديدة وخصوصا في الجنوب دون الرجوع الى أصل الدّاء الذي ينخر جسد هذا الوطن.

رئيس حكومة الوحدة الوطنية الذي وقف جيّدا على الواقع المعيشي للعديد من الجهات خصوصا عند زيارته لمناطق الجنوب التونسي وبالأخصّ تطاوين التي عاشت منذ أيام على وقع احتجاجات ومواجهات عنيفة مع القوات الأمنيّة راح ضحيتها الشاب أنور السكرافي، أدرك أن لا أمل لتغيير هذا الواقع الاجتماعي القاتم إلّا بالقضاء على بارونات الفساد والتهريب والتخريب التي نهشت ومازالت تنهش الاقتصاد الوطني بمباركة وبالاستعانة بقوى نافذة ومتغلغلة داخل أجهزة الدولة وفي الدوائر المحيطة بها والتي لم تستثن أي قطاع تقريبا.

ويبدوا أن يوسف الشاهد قد تمعّن جيّدا في التقارير الصادرة مؤخّرا عن الهيئات الوطنيّة والدوليّة التي تعنى بالفساد مثل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي يرأسها العميد شوقي الطبيب ومنظمة أنا يقظ ومنظمة الأزمات الدوليّة وغيرها من الهياكل التي خَلُصت جميعها الى أن الفساد اخترق تقريبا معظم مفاصل الدولة. ولعلّ حالة الهيجان والامتعاض التي رافقت كل تصريحات شوقي الطبيب والتي يشتكي فيها صراحة من حالة التململ والتباطئ المثير للرّيبة حيال التعهّد بملفّات الفساد التي قدمتها الهيئة والتي بلغت قرابة 160 ملفا بوزراء ومسؤولين من الصفّ الأول وكوادر عليا في الدولة هذا إضافة الى حجم الميزانية المحتشم المرصود أهم وأخطر هيئة في البلاد والذي لا يتجاوز المليارين من مليماتنا، قد ساهمت في بلورة موقف واضح لدى رئيس الحكومة من حجم هذا الوباء الذي وصفه الطبيب بـ «فساد المافيا».

يُضاف الى ما سبق التقارير المفزعة الصادرة عن الهيئات الدولية مثل منظمة الأزمات الدولية التي أوردت في تقريرها الصادر يوم ١٠ ماي الفارط أن قرابة 300 رجل ظل يتمتعون بنفوذ جليّ على أجهزة الدولة ويساهمون بدرجات متفاوتة في زيادة الاحتقان الاجتماعي وعرقلة المشاريع التنمويّة في البلاد وتغذية الاحتجاجات الاجتماعية وتحريكها وفق أجندات واضحة. هذا دون أن ننسى التوصيات والشروط التي تفرضها الدول والهيئات المانحة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الافريقي للتنمية وغيرها من المؤسسات التي تشترط على حكومة الشاهد توخّي سياسة واضحة وفعّالة في مكافحة الفساد مقابل التمتّع بالهبات والقروض المسنودة لتونس ودعم الاستثمارات الأجنبية التي تأثرت بحجم الفساد الذي أثر على مردوديتها.

ولئن خلّفت الحملة، المفاجئة صراحة، التي يقودها يوسف الشاهد على بعض رموز الفساد، ارتياحا شعبيّا ملموسا لتنزِلَ بردا وسلاما على معظم الشرائح الاجتماعية خصوصا المقهورة منها والمحرومة ماعدا المتورّطين الذين سارعوا بحزم حقائبهم استعدادا لكل طارئ ، فإنّ نجاعتها ونتائجها تبقى دائما محلّ تساؤل وترقّب حذر إذ أن الجميع مدرك خطورة ما أقدم عليه رئيس الحكومة. في معظم التجارب السّابقة كانت عمليّات ملاحقة الفاسدين وتجّار الموت والخراب مُكلِفة وضريبتها مؤلمة تصل أحيانا الى العصف باستقرار البلاد وإدخالها في أتون معارك وصراعات داخلية محتدمة.

فالأخطر من معالجة السّرطان هو القضاء على الأورام التي تتغلغل في كافة أنحاء الجسد والتي جهزت الأرضيّة الملائمة لظهور أورام جديدة على أهبة الاستعداد للفتك بما تبقى ممّا سَلِمَ منه. التحدّي الأكبر الذي يواجه يوسف الشّاهد ــ لو فرضنا جدلا أنّه نجح في إيقاف رموز الفساد وأزلامهم ــ هو تأمين مرحلة ما بعد هذه الحملة. إذ لا يخفى على أحد أنّ هته البارونات تعمل داخل شبكات معقّدة تمتدّ أطرافها الى خارج البلاد مثلما هو الحال مع شفيق جرّاية الذي تجمعه، حسب ما هو متداول، علاقات متينة بعبد الحكيم بالحاج قائد كتائب فجر ليبيا المسلّحة التي تسيطر على مناطق هامة من الغرب الليبي وعلى تخوم حدودنا الجنوبية. هذا يفترض أن أي عملية انتقامية ومهما كان نوعها تبقى متوقّعة والتّحضير لها والاستعداد والتخطيط الاستباقي هو من الأولويات القصوى التي يجب على الشاهد وضعها في الحسبان خصوصا أنّ التعامل مع هذا النوع من المجرمين الخطرين يبقى من قبيل السير في حقل من الألغام.

وحتى تحقّق الحملة التي يقودها رئيس الحكومة أهدافها المعلنة والخفيّة، لا يجب لها أن تشمل فقط من في الصورة إذ أن زبانية الفاسدين أكثر من أن يُحصوْا أو أن يتمَّ تعدادهم. وما ورد في التقرير الذي ذكرناه آنفا والذي اعتبر أن تونس تعيش داخل «منظومة مافيوزيّة» هو غيض من فيض. كيف لا والحال أن بعض التقارير تتحدث عن تورّط بعض أعضاء مجلس نواب الشعب، أعلى سلطة تشريعية في البلاد، في قضايا تتعلّق بمن شملتهم حملة الإيقافات الأخيرة. ألم يتحدّث لزهر العكرمي السياسي والقيادي السابق بنداء تونس عن عملية شراء لذمم أكثر من 25 نائبا من قبل شفيق الجراية ؟ ألم يصرّح الجرّاية نفسه أنه اشترى ذمم عدد من الإعلاميين والسياسيين الذين وصفهم بـ «كلابه» ؟ ألم يُعلن شوقي الطبيب صراحة يوم 13 جويلية 2016 أن مستشارين في رئاسة الحكومة متورطان في ملفات فساد؟

من أجل هذا وغيره ممّا فاتنا ذكره نقول أن الحملة التي يقودها رئيس الحكومة يوسف الشاهد لمكافحة الفساد والمفسدين هي حدث مفصلي وسابقة تاريخية في بلادنا لا يجب أن تتحول كما يريد لها البعض الى مجرّد زوبعة في فنجان. وعلى ذلك فإن مسألة توفير حزام سياسي وحزبي بالإضافة الى الحزام الشعبي المتوفر أصلا تبقى ضرورة قصوى وليس مجرّد شعارات للاستهلاك السريع. هذا دون أن نغفل طبعا على الالحاح على ضرورة توفّر منظومة قضائية فعّالة ومستقلّة تكون بمنأى عن التجاذبات والمصالح المتداخلة وذلك لضمان المحاسبة الضرورية لهته الفئة التي تتمتّع بعلاقات وشبكات اخطبوطية مترامية الأطراف.

بهذه الحملة يضع الشاهد تونس على مفترق طريقين لا ثالث لهما. إمّا مواصلة السير الى الأمام والإمعان في حملة القضاء على الفساد بما يستوجبه من تضحيات جماعية مٌكلِفة ومؤلمة ودعم لا متناه ولا محدود من قِبَلِ كافة القوى الحرّة أو، لا قدّر الله، الرجوع على الأعقاب والدخول في نفق مظلم لا نهاية له.