الزعامة "السلطانية" و"الزعامة الديمقراطية" 

04 أوت 2017
12
بقلم : خالد شوكات

تكشف الأزمة السياسية الحالية، وجميع الأزمات التي نعيشها منذ انتصار الثورة في 14 جانفي 2011، على أن مشكلتنا أعمق من ظاهرها السياسي، إذ نحن في صراع حقيقي مع مفاهيم أو "براديغمات" للسلطة مستقرّةٌ في باطننا، وبالأحرى في عقلنا السياسي منذ قرون طويلة ساد فيها نمط وحيد من أنظمة الحكم هو "النظام السلطاني" أيّاً كانت المسمّيات التي تراوحت بين الخلافة الوراثية والملك العضوض والجمهورية التسلّطية أو "الجملكية" كما كان يحلو لبعض الديمقراطيين أن يوصّفوا الحالة الهجينة التي كنّا نعيشها في ظل الأنظمة السابقة ما بعد الاستقلال. 

ما يمكن للقارئ أن يلاحظه بسهولة في كتابات كثير من العامة وبعض النخب من الخاصة، تلك الدعوات الصريحة والمبطنة للانقلاب على المنظومة الحزبية، في استدعاء ل"الزعيم السياسي" بمفهومه "السلطاني"، فبعض يتحدّث عن قرب ظهور المخلص أو "بورقيبة" الجديد، وهو أمر يتجاوز "البورقيبية" التي يمكن أن تكون مجموعة مبادئ وتوجهات وثوابت للدولة الوطنية لا تتناقض مع النظام الجمهوري الديمقراطي الذي نحن بصدد بنائه، تماما كما استمرت "الديغولية" في فرنسا،  أو "البيرونية" في الأرجنتين، أو "الفرانكوية" في اسبانيا، وثمة فرق كبير إذاً بين عودة "بورقيبة" الذي لن يعود، واستمرار "البورقيبية" الممكن والمطلوب. 

إن رغبة بعضهم في تشجيع رئيس الحكومة يوسف الشاهد ل"الانقلاب على نفسه" قبل أن يتم الانقلاب عليه، يدخل أيضا في خانة هذا الصراع بين "المفاهيم السلطانية" و"المفاهيم الجمهورية الديمقراطية" الجديدة، فبعضهم لا يرى مانعا -بل يتطلع وينتظر- في تجاوز المنظومة الحزبية، وهؤلاء لا يعلمون - جرّاء طغيان الحقد والكراهية للأحزاب عليهم- أن ترذيل و"تشليك" النسيج الحزبي لن يشكل سوى مقدّمة للانقضاض على النظام الديمقراطي، فليس للنظام الديمقراطي ضمانة أساسية قدر التعددية الحزبية الحقيقية. 

إنّنا لا نمانع، ولا يضيرنا أبدًا، بل إننا نرغب، في أن تصنع ديمقراطيتنا الناشئة " زعماء سياسيين ديمقراطيين لا سلطانيين"، والفرق هنا بين الزعيم الديمقراطي والزعيم السلطاني في حالتنا، هو أن الزعيم الديمقراطي هو نتاج للمنظومة الحزبية التعددية، أما الزعيم السلطاني فهو نتاج تجاوز هذه المنظومة وضربها ونقضها عروة عروة، فقد كان الرئيس بورقيبة زعيما سلطانيا مطلق الصلاحيات، وجاء الرئيس بن علي على حساب نمو وتطور منظومة حزبية تعددية كانت حين وصوله إلى السلطة جنينية. 

إن عجز ديمقراطيتنا على صناعة التنمية إلى حد الآن لا يعود كما يقول البعض إلى انحطاط النخبة السياسية وفشل الأحزاب السياسية، فهذه النخبة ليست في مظاهر ضعفها وقوتها إلا مرآة لشعبنا، كما أن الأحزاب السياسية ما تزال في غالبيتها جنينية في مرحلة التكوّن الأولى، بل إن مردّ هذا العجز يعود أساسا إلى نظام الحكم المشوّه الذي اعتمدناه والذي جاء نتاج مجموعة من العقد المترسّبة في دواخلنا جرّاء مواجهات الحقب الاستبدادية، فخوفنا المرضي من "السلطانية" التي ركّزت جميع السلطات في يد حاكم فرد، جعلنا نقسِّم السلطة إلى درجة لم يعد معها أحدٌ قادرًا على تحمّل المسؤولية. 

لقد أجبرتنا هذه العقد والمخاوف على إقصاء أحزاب منتخبة على الوفاء بالتزاماتها تجاه ناخبيها، وعلى تشجيع رؤساء الحكومات المتعاقبين على تجاوز المنظومة الحزبية التي جاءت بهم إلى الحكم، ثم على مطالبة هذه الأحزاب على بالتقوقع على نفس وعدم التدخل في شؤون هي من صميم صلاحياتها، وعلى التشبّث بمفاهيم صنعت على مقاس الأنظمة المستبدة من قبيل "الوزير التكنوقراط" الذي لا برنامج مسبق له ولا خوف من محاسبة أحد، وعلى هذا النحو نمت مقارنات منحرفة وقياسات خاطئة بين زمنين مختلفين حد التناقض على الأقل في مستوى مفاهيم الحكم والدولة. 

نقول ختاما، أن النظام الديمقراطي لن ينتج إلا زعماء ديمقراطيين من رحم المنظومة الحزبية، ومن أراد أن يكون زعيمًا خارج هذا الإطار الحزبي فهو حتما يحمل في طياته وبين جنباته مشروعا آخر غالبا ما يكون تمهيدا للقضاء على الديمقراطية وسعيا لتفكيك مؤسساتها.