الحريّة للأزهري الأسير

10 أوت 2017
12
بقلم : نجيب بكوشي

يقبع الشيخ محمّد عبد الله نصر، منسّق جبهة أزهريون مع الدولة المدنيّة، منذ شهر فيفري الفارط في سجن وادي النطرون جنوبي مدينة القاهرة، بعد أن قضت محكمة مصرية بسجنه لمدّة خمس سنوات مع النفاذ العاجل بتهمة إزدراء الأديان.

محمّد عبد الله نصر هوّ ذلك الشيخ الأزهري المعمّم الذي تناقلت صوره وخطبه النارية المحطات التلفزيونية عندما كان يشحذ عزائم الملايين من المصريين الذين إحتشدوا في ميدان التحرير بالقاهرة إبان ثروة يناير 2011 مطالبين بإسقاط نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك. فصاحة لسانه وجرأته في تحريك المياه الآسنة في تراثنا ونقده الشديد لمؤسسة الأزهر وخصومته مع الإخوان المسلمين والسلفيين وحضوره الإعلامي المكثّف كلّها عوامل ساهمت في توسيع معسكر أعدائه. أطلق عليه الإسلاميون لقب "ميزو" في محاولة منهم لإغتياله معنويّا والحطّ من شأنه، وطالب بعض شيوخ الأزهر والسلفيين بالحجر عليه وشكّكوا في مداركه العقليّة.

قدّم المحامي سمير صبري المقرّب من الرئيس عبد الفتّاح السيسي والذي نصّب نفسه منذ سنوات محتسبا عاما لمصر ومسؤولا عن الآداب العامّة وحماية المقدّسات، تسع قضايا ضدّ الشيخ محمد عبد الله نصر أمام المحاكم المصريّة، مستندا إلى المادة 98 من قانون العقوبات المصري والتي تنصّ على الآتي؛ "يعاقب بالحبس مدة لاتقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين فى الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة، لقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية".

ويعود هذا الفصل القانوني الذي يعيد إلى ذاكرتنا قوانين محاكم التفتيش القروسطيّة في أوروبا إلى ثمانينات القرن الماضي بعد أحداث الزاوية الحمراء الطائفية الدامية التي وقعت بين الأقباط والمسلمين وذهب ضحيتها 81 مواطنا مصريا قبطيا.

وقد إندلعت الأحداث ليس كما إدّعى الرئيس محمد أنور السادات وقتئذ نتيجة شجار بسيط بين جارين بسبب ماء الغسيل، حيث سكب قبطي من شرفته ماء غسيله على جاره المسلم، بل أنها إنطلقت عندما إعتزم أحد الأقباط بناء كنيسة على قطعة أرض بعد أن إستصدر حكما قضائيا بملكيتها وهو ما أثار حفيظة الإسلاميين المتشددين بالحي، الذين أرادوا بدورهم بناء مسجد على نفس قطعة الأرض وحرّضوا الصبية على الهتاف ضدّ الأقباط ووضع علامات على بيوتهم تمهيدا لحرقها، وهو ما حدث بالفعل حيث تمّ حرق حوالي عشرين منزلا ومحلا على ملك أقباط، وتمّ ذبح القسّ ماكسيموس جرجس بعدما رفضه نطق الشهادتين على يد عناصر من الجماعة الإسلامية.

كان من المفترض أن يكون هذا القانون قد شُرّع لحماية المصريين بمختلف عقائدهم من المتطرّفين ودعاة الفتنة، ولكنّه أصبح بمرور الزمن سيفا مسلّطا على رقاب المبدعين والمفكّرين يستغلّه المحتسبون الذين يفتشون في ضمائر الناس بإسم حماية المقدّسات ومن أشهر ضحايا هذا القانون؛ المفكّر الشهيد فرج فوده والمفكّر المستنير نصر حامد أبو زيد والمفكّر سيد القمني والكاتبة نوّال سعداوي والشاعرة فاطمة ناعوت والإعلاميين إسلام بحيري وإبراهيم عيسى وأخيرا وليس آخرا الشيخ محمّد عبد الله نصر.

المحامي "المحتسب" سمير صبري وجّه عدّة تهم للشيخ عبد الله نصر من أهمّها؛ إنكاره لأحاديث وردت في صحيح الإمام البخاري والطعن في بعض الأحكام الشرعية مثل حدّ السرقة والتطاول على مقام مؤسسة الأزهر وإلإدّعاء بأنّه المهدي المنتظر وغيرها.

سوف نتناول بالتحليل كلّ هذه التهم الموجّهة للشيخ الأسير لنبيّن تهافتها وطابعها الكيدي إستنادا إلى كتابات الشيخ المنشورة على موقعه الإلكتروني الخاص وعلى مداخلاته التلفزيونية ومناظراته مع خصومه.

 

الإدّعاء الأوّل: إنكار بعض الأحاديث المروية عن البخاري

من هوّ الإمام البخاري؟

 

هوّ محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزبَه الجعفي البخاري (194ھ 256ھ) أحد أهمّ علماء الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل والعلل، من أهمّ مؤلفاته كتاب "الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه" والذي يعرف إختصارا بصحيح البخاري. يعتبر هذا الكتاب أهمّ مرجع عند المسلمين وأصحّ كتاب عند أهل السنّة والجماعة بعد كتاب القرآن. إختلف الرواة وعلماء الحديث حول عدد الأحاديث التي تضمّنها هذا الكتاب، ففي حين إعتبر إبن صلاح والنووي أنّ عددها سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا (7275) وبدون المكرّر أربعة ألاف حديث (4000) ذهب إبن حجر العسقلاني إلى أنّ عددها سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثاً (7397) وبدون المكرّر ألفان وستمائة وحديثان (2602) فقط.

يقول الإمام البخاري، الذي لم يكن عربي اللسان، أنّه جمّع أحاديث صحيحه في ستّ عشرة سنة وإصطفاها من نحو ستمائة ألف حديث، كان قد دقّقها وحفظها عن ظهر قلب في رحلاته العلميّة بين مختلف الأمصار الإسلامية، فزار بلخ ونيسابور وهراة ومكّة والمدينة وبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومصر. ويذكر كذلك أنّه قد أخذ الأحاديث أثناء رحلاته عن عدد كبير من الشيوخ والعلماء تجاوز الألف عالم من أبرزهم علي إبن المديني، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومحمد بن يحيى الذهلي.

يعتقد القاضي المصري الذي وجّه في شهر فبراير الماضي تهمة التشكيك في بعض الأحاديث التي رواها الإمام البخاري للشيخ الأزهري محمّد عبد الله نصر، أنّ هذا الأخير هوّ أوّل من إنتقد صحيح البخاري، والحال أنّ التراث الإسلامي مليء بالنقد لهذا المصنّف منذ ظهوره إلى اليوم ومن أهمّها؛ كتاب "الإلزام والتتبّع" لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (306ھ 385 ھ)، وكتاب "تقييد المهمل وتمييز المشكل" لصاحبه الإمام أبو علي الغسّاني الجيّاني الأندلسي (427ھ 498ھ) الذي إنتقد فيه صحيح البخاري وكذلك صحيح تلميذه مسلم، وكتاب "علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن حجاج" لمؤلّفه أبو الفضل بن عمار الشهيد(ت 327 ھ). ومن الذين إنتقدوا أحاديثا في الصحيحين نذكر كذلك ؛ القاضي أبو بكر الباقلاني وشيخ وأستاذ الإمام البخاري نفسه وهو محمد بن يحيى الذهلي.

أمّا في العصر الحديث فقد تناول بالنقد أحاديث الصحيحين الشيخ محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا، ومحمّد ناصر الدين الألباني، ومحمّد الغزالي في كتابه "السنّة النبوية بين أهل الفقه والحديث"، وجمال البنّا في كتابه "تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم"، ومن المؤلّفات المعاصرة التنويرية في مراجعة ما ورد في السنّة النبويّة نذكر كتاب " الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية" للمفكّر نصر حامد أبو زيد وكتاب "السلطة في الإسلام" لعبد الجواد ياسين.

ما أثار حفيظة البخاريين من سلفيين وأزهريين وإخوان هوّ تجرّؤ الشيخ محمد عبد الله نصر على كشف بعض ما تضمّنه صحيح البخاري من خرافات لا تتستقيم منطقياً ولاعقائديّا بعد أن قاموا بمواراتها على جمهور المسلمين لعدّة قرون، نذكر منها؛

حديث البخاري حول سحر الرسول:

 

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ , حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا , وَدَعَا ثُمَّ قَالَ : أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي ؟ أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ : مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ؟ قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ . قَالَ : فِيمَا ذَا ؟ قَالَ : فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ . قَالَ فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ . فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ : نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ . فَقُلْتُ : اسْتَخْرَجْتَهُ ؟ فَقَالَ : لا , أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ , وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا , ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ ) رواه البخاري (3268) ومسلم (2189) .

الشيخ عبد الله نصر ينفي صحّة هذا الحديث لتناقضه مع ما ورد في القرآن حول عصمة الرسول وتبرئته من تهمة السحر التي إدّعاها خصومه من قريش، حيث ورد في سورة الإسراء: "نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً".

رفض الشيخ المصلح محمد عبده هذا الحديث لأنه من الأحاديث الآحاد التي لا يجوز أن يؤخذ بها في باب العقائد.

 

حديث البخاري القائل أنّ الرسول أُعطي قوّة ثلاثين رجل وكان يدور على نسائه في ليلة واحدة بل في ساعة واحدة ؛

 

"حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار قال حدّثنا مُعَاذْ بنُ هِشَامٍ قالَ حدّثني أبي عَنْ قَتَادَة قالَ حدّثنا أنَسُ بنُ مالِك قالَ :كان النبيُّ (ص)يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ في السَّاعَة الوَاحِدَة مِنَ اللَّيْلَ والنَّهَارِ وَهُنَّ إحْدَى عَشْرَة. قال: قُلْتُ لأَنَسٍ: أوَ كانَ يُطِيقُهُ؟! قال: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ أعْطِيَ قُوَّة ثَلاثِينَ." صحيح البخاري ج1ص75، وج1 ص79.

هذا الحديث يمسّ من ذات الرسول ويصوّره كمهوس جنسيّا وشهوانيّا وهو حسب الشيخ عبد الله نصر يناقض صريح الآية القائلة "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلا". صورة الرسول في القرآن الذي كان يقوم الليل متعبّدا تختلف تماما عن صورته التي وردت في صحيح البخاري.

 

حديث البخاري حول محاولة الرسول الإنتحار عند فتور الوحي؛

 

"وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا. فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك" البخاري في الحديث رقم6581.

الشيخ محمد عبد الله نصر يتساءل وهو محق في ذلك أليس الزعم بأن الرسول حاول الإنتحار بمجرّد إنقطاع الوحي لعدّة أشهر إستنقاص من ذاته وهو الذي جاء برسالة للعالمين والعارف بما تعرّض له الأنبياء والرسل من قبله؟

 

حديث البخاري حول زنا القردة؛

 

"حدثنا نُعيمُ بن حمادٍ حدثنا هُشيمٌ عن حُصينٍ عن عمرِو بن ميمونٍ قال : (رايت في الجاهلية قِردةٌ اجتمع عليها قِردةٌ قد زنتْ فرجموها فرَجمتها معهم".(باب القسامة في الجاهلية) برقم (3849). هذا الحديث يسمّى حديثا موقوفا لأنّه مروي عن احد الصحابة او التابعين وليس عن الرسول ولكنّ كيف لعاقل مثل الإمام البخاري ان يصدّق إمكانيّة أن تقوم القردة بإقامة حدّ الزنا على قردة زنت؟

يبدو جليّا أن الهدف من رواية هذا الحديث هوّ محاولة إقرار الرجم كحدّ للزنا حتّى في ملكوت الحيوان وهذا الحديث يحيلنا بدوره إلى حديث آخرا شديد الغرابة يقول نقلا عن عائشة أم المؤمنين أن صحيفة من القرآن كانت تحت سرير الرسول فيها آية الرجم ورضاعة الكبير أكلتها شاة أو معزاة (داجن) عندما كان على فراش الموت، وهذا نصّ الحديث؛

"حَدَّثَنَاأَبُو سَلَمَةَ، يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيبَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ‏.‏ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِالْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ،قَالَتْ لَقَدْنَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا وَلَقَدْ كَانَ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـوَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِن فَأَكَلَهَا‏."‏أخرجه أحمد (6/269) وأبو يعلى في المسند(4587) والموطأ لمالك(2/608) وصحيح مسلم (1452).

ألا تتناقض خرافة الداجن الذي أكل آية الرجم ورضاعة الكبير مع الآية القائلة "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ".

هذا غيض من فيض ممّا يوجد من خرافات بين دفّات كتب السنّة والتراث، سوف أكتفي بهذا الحدّ من الحجج والبراهين التي شرحها بإطناب الشيخ عبد الله نصر لأستعرض معكم التهمة الثانية الموجّهة له وهي؛

 

 التطاول على مؤسسة الأزهر:

 

الأزهر من جوهر الصقلي إلى أحمد الطيّب.

إنتزع جوهر الصقلّي سنة 358ھ حكم مصر من الإخشيديين بأمر من الخليفة الفاطمي المعزّ لدين الله،  وفي سنة 359ھ شرع في بناء مسجد كبير ليكون صرحا دينيا لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي في مصر وأطلق عليه "الجامع الأزهر" تيّمنا بلقب "فاطمة الزهراء". لكن عندما إستولى الأيوبيين على الحكم في  مصر سنة 567ھ تمّ غلق "جامع الأزهر" لحوالي مائة عام كاملة ولم يعد فتحه إلاّ في عهد السلطان الظاهر بيبرس عام 655ھ ليصبح منبرا لنشر المذهب السني.

منذ أكثر من ألف عام أنجبت هذه المؤسسة الدينيّة المستأنسة دائما بالسلطة السياسية القائمة عشرات الفقهاء والشيوخ، وإستقبلت أجيالا من طلبة العلم من كافة أنحاء العالم الإسلامي، وكانت الحارس الأمين لمعبد التراث الإسلامي بغثّه وسمينه، وتصدّت بشدّة لكلّ أصوات التجديد الديني من داخلها أو من خارجها وكان التكفير والإخراج من الملّة بتهمة إنكار معلوم من الدين بالضرورة من أكثر أسلحتها نجاعة.

الأزهر شكّك في عقيدة الإمام محمد عبده بسبب أفكاره الإصلاحية، وكفّر سنة 1925 الشيخ الأزهري المصلح "علي عبد الرّازق بعد صدور كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، وكفّر سنة 1926 طه حسين بعد صدور كتابه "في الشعر الجاهلي"، وشنّ حملة شعواء ضدّ الأديب نجيب محفوظ بعد نشره لروايته "أولاد حارتنا"، وتزعّم في ثمانينيات القرن الماضي حملة تشهير بالمفكّر المستنير فرج فوده إنتهت بإغتياله، ثمّ ساند حملة تكفير المفكّر نصر حامد أبو زيد ومحاولة التفريق بينه وبين زوجته ممّا إضطرّه للجوء إلى هولاندا، وكان وراء منع رواية "وليمة لأعشاب البحر" للكاتب السوري حيدر حيدر، وإتّهم الأزهر نوّال سعداوي والسيد القمني وإسلام بحيري والشاعر حلمي سالم بالتطاول على مقدّسات المسلمين.

الأزهريون هاجموا بشدّة الشيخ محمّد عبد الله نصر وبلّغوا رسائلهم للسلطة السياسية بالهمز واللمزومفادها ضرورة إخماد هذا الصوت المحرج الذي نجح في كشف ما واروه على جمهور المسلمين منذ قرون ،  خاصّة وأنّه أزهري المنشأ والتكوين وخبير بالأفكار المسمومة التي يلقّنها الأزهر للناشئة،  وقد تحدّث الشيخ عبد الله نصر بإطناب عن بعض كتب التراث المعتمدة في المناهج الأزهريّة في المرحلة الثانوية نذكر منها «الشرح الصغير»، و«الروض المربع بشرح زاد المستقنع»، و«الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع»، و«الاختيار لتعليل المختار».

 وذكر الشيخ عبد الله نصر، وهو ما أكّده الباحث والمستشار القانوني أحمد ماهر في ملف خاص أعدته صحيفة اليوم السابع في شهر نوفمبر 2014 يحمل عنوان "مناهج الأزهر الباب الخلفى للإرهاب والطائفية والعنصرية فى مصر"،أنّ كتاب «الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع" للشيخ محمد الخطيب الشربيني يجيز أكل لحوم البشر حيث ورد فيه من الصفحة 255 إلى الصفحة 257 ما يلي؛ «للمضطر أكل آدمى ميت إذا لم يجد ميتة غيره.. واستثنى من ذلك ما إذا كان الميت نبيًا فإنه لا يجوز الأكل منه جزمًا.. أما إذا كان الميت مسلمًا والمضطر كافرًا فإنه لا يجوز الأكل منه لشرف الإسلام، وحيث جوزنا أكل ميتة الآدمى لا يجوز طبخها، ولا شيها، لما فى ذلك من هتك حرمته، ويتخير فى غيره بين أكله نيئًا وغيره».

ولازال الأزهر في القرن الحادي والعشرين يدرّس لطلبة المرحلة الثانوية في كيفية التعامل مع أسرى الحرب ما يلي : «أما الأسارى فيمشون إلى دار الإسلام، فإن عجزوا قتل الإمام الرجال وترك النساء والصبيان فى أرض مضيعة حتى يموتوا جوعًا وعطشًا، لأنا لا نقتلهم للنهى» كتاب "الإختيار لتعليل المختار" الصفحة 340.

أمّا في ما يخصّ العلاقة بالآخر الديني فيدرّس الأزهر لطلبة مصر التي يوجد فيها ملايين المواطنين المصريين المسيحيين ما يلي؛  «وألا تبنى كنيسة فى الإسلام لأن إحداث ذلك معصية، فلا يجوز فى دار الإسلام، فإن بنوا ذلك هدم، ولا يجوز إعادة بناء كنيسة قد انهدمت وبالذات فى مصر»."الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع" ص 235. وفي الصفحة 238 يدعو الكتاب إلى كراهية الآخرين حيث يقول ": «بما أن الإساءة تقطع عروق المحبة فيجب الإساءة لهم وعدم الميل القلبى لهم، وقطع عروق المحبة معهم». ولا ننسى أنّ الأزهر الذي يمنع كتب نصر حامد أبو زيد من التداول أعاد مؤخّرا طبع كتاب مثيرا للجدل ألّفه شيخه "أحمد بن عبد المنعم" منذ أكثر من تسع قرون ويحمل عنوان "إقامة الحجة الباهرة في هدم كنائس مصر والقاهرة".ورد كذلك في كتاب "الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع" في باب المحترم الذي لا يجوز الإستنجاء به والغير محترم الذي يجوز  الإستنجاء به أنّه يجوز الإستنجاء بكتب التوراة والإنجيل وكتب المنطق والفلسفة وهذا النص حرفيا "وَمن الْمُحْتَرَم مَا كُتب عَلَيْهِ اسْم مُعظم أَو علم كَحَدِيث أَو فقه، وَلَابُد من تَقْيِيد الْعلم بالمحترم سَوَاء كَانَ شَرْعِيًّا كَمَا مر أم لَا، كحساب وَنَحْوه، وطب وعروض فَإِنَّهَا تَنْفَع فِى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة، أما غير الْمُحْتَرَم كفلسفة ومنطق فَلَا كَمَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين، وعَلى هَذَا التَّفْصِيل يُحمل إِطْلَاق من جوزه وَجوزهُ القَاضِى بورق التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَهُوَ مَحْمُول على مَا علم تبديله مِنْهُمَا، وخلا عَن اسْم الله تَعَالَى وَنَحْوه".

أمّا صورة المرأة في مناهج الأزهر فحدّث ولا حرج، حيث ورد في كتاب "الروض المربع بشرح زاد المستقنع" أن الزوج غير ملزم بتكاليف علاج زوجته؛  «لا يلزم الزوج لزوجته دواء وأجرة طبيب إذا مرضت» ص 90 و 91. وورد كذلك في كتاب "الاختيار لتعليل المختار" أنّ مدّة العدّة تختلف بين الحرّة والأمة والذميّة؛ «عدة الحرة فى الطلاق بعد الدخول ثلاث حيضات، والصغيرة الآيسة ثلاثة أشهر، وعدتهن فى الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وعدة الأَمَة فى الطلاق حيضتان، وفى الصغر والإياس شهر ونصف، وعدتها فى الوفاة شهران وخمسة أيام، ولا عدة على الذمية فى طلاق الذمى» ص 152. ويرد بنفس الكتاب في الصفحة 250؛ «لو استأجر الرجل المسلم امرأة ليزنى بها وزنى بها، أو وطئ أجنبية فيما دون الفرج، أو لاط  فلا حد عليه ويعزّر».

فهل يستحقّ الشيخ محمّد عبد الله نصر السجن لأنّه كشف للمصريين خصوصا وللمسلمين عموما عن هذه السموم التي كان الأزهر يحشو بها عقول الناشئة؟

 كما تجدر الإشارة أنّ الأزهر الذي لم يتوان لحظة واحدة في تكفير المصلحين والمجدّدين للفكر الإسلامي رفض شيخه أحمد الطيّب سنة 2015 تكفير تنظيم داعش الإرهابي معتبرا أنّ عناصره ليسوا كفارا لأنّهم يؤمنون بالملائكة وكتب الله من التوراة والإنجيل والقرآن ولكنّهم فقط من المفسدين في الأرض وجزاءهم ورد مفصّلا في سورة المائدة؛ "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ". الإختلاف بين فقه الأزهر وفقه "داعش" في مسألة تطبيق الحدود هوّ إختلاف في الدرجة وليس في النوع.

 

التهمة الثالثة الموجّهة للشيخ محمد عبد الله نصر هي: 

الطعن في حدّ السرقة والزعم بأنّه المهدي المنتظر.

 

إجتهد الشيخ محمد عبد الله نصر في تفسير الآية 38 من سورة المائدة والمتعلّقة بحدّ السرقة والقائلة "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" وإعتبر أنّ القطع هنا ليس في معنى البتر بل في معنى المنع وإستشهد بعدّة آيات في القرآن جاء فيها القطع ليس بمعنى البتر مثل وروده في سورة الرعد "وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ" أو في سورة محمّد "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ"، وقوله في سورة الأنفال " وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ".

لن أناقش مدى وجاهة قراءة وتفسير الشيخ محمّد عبد الله نصر للآية والّذي يرفع الحرج عن المشرّع والحاكم المسلمين لكي لا ينفّذا عقوبة قطع اليد بمعنى البتر التي ترفضها كلّ المواثيق الدوليّة الضامنة لحقوق الإنسان بل سوف أتحدّث عن سكيزوفرينية القاضي الذي أدان الشيخ محمد عبد الله نصر، لأنّ هذا القاضي ذاته لا يطبّق حدّ السرقة بمعنى بتر اليد  على اللصوص الذين يمثلون أمامه، بل يسلّط عليهم عقوبة السجن لأنّ قانون العقوبات المصري لا يسمح له بذلك.

زد إلى جانب ذلك أنّ الفقهاء إختلفوا في تفسير هذه الآية وفي كيفية تنفيذ هذا الحد فبعضهم تحدّث عن بتر الأصابع والبعض الآخر عن بتر الكفّ كما إختلفوا في تحديد مكان وزمان إرتكاب جريمة السرقة وقيمة المسروق لإقامة حدّ القطع من عدمه فلماذا يُجرّم الشيخ محمّد عبد الله نصر لأنّه أراد أن يجتهد في تفسير النص القرآني؟

التهمة الأخرى الموجّهة للشيخ محمّد عبد الله نصر هي إدّعاؤه أنّه المهدي المنتظر،  حيث كتب على صفحته الشخصية على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك في تشرين الثاني سنة 2016 التدوينة التالية:

بيان هام؛

أعلن أنني أنا الامام المهدي المنتظر ( محمد بن عبد الله ) الذي جائت به النبوءات وجئت لأملأ الأرض عدلا وأدعوا السنة والشيعة وشعوب الأرض قاطبة لمبايعتي وذلك مصداقا للحديث القائل؛

روى أبو داود (4282) - واللفظ له - ، والترمذي (2230) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي - أَوْ : مِنْ أَهْلِ بَيْتِي - يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا ، وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا ) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .

الشيخ محمّد عبد الله نصر في تدوينات سابقة وفي سجالات تلفزية مع شيوخ أزهريين وسلفيبن إعتبر انّ فكرة المهدي المنتظر هي خرافة ولا أساس لها من الصحّة عقائديّا فلماذا يدّعي هكذا إدّعاء؟ 

كلّ ما في الأمر أنّ الشيخ أراد أن يثبت للمسلمين من سنّة وشيعه عبر منهج الصدمة في الثوابت أن فكرة المهدي المنتظر هي فكرة خرافية ولا أسس دينية لها ومواصفات المهدي المنتظر الواردة في صحيح أبي داوود يمكن ان تنسحب عليه بإعتبار أن إسمه محمد مثل إسم الرسول ووالده عبد الله مثل والد الرسول ووالدته تنحدر من آل البيت.

لكنّ للأسف علاج الصدمة النفسيّة الذي إعتمده الشيخ محمد عبد الله نصر لإيقاظ المسلمين من سباتهم الدغمائي كان له مفعول عكسيّ وفُهم على أنّه تطاول على المقدّسات وأدّى به إلى السجن.

فما هيّ أصول فكرة المهدي المنتظر عند المسلمين سنّة وشيعة؟

فكرة المهدي المنتظر عند المسلمين هي فكرة قديمة جدّا، ظهرت مع ظهور فكرة المقدّس في الحضارت الإنسانية المبكّرة في بلاد الرافدين وعند المصريين القدامى وبلاد فارس والتي رسمت ملامح عقيدة المخلّص والمنقذ من الظلم والجور. ثمّ أخذت الديانات التوحيديّة هذه العقيدة الإنقاذيّة فكان "يهوه" أو " إيلوهيم" هو المنقذ الأوّل لبني إسرائيل وهو ليس إلاّ الإشتقاق الفيلولوجي والإمتداد التيولوجي لإله الكنعانيين "إيل"، ففي سفر الخروج حافظ "يهوه" العبراني على إسم "إيل" الكنعاني أو ورد تحت مسمى "إيلوهيم" الذي سوف يصبح عند العرب قبل الإسلام "اللهمّ" وفي النصّ القرآني "الله". وتتجسّد بوضوح صورة المنقذ عند بني إسرائيل في شخص النبي موسى الذي سوف يعمل على تخليص قومه من بطش الفراعنة في مصر القديمة، وتتطوّر صورة هذا الإله المنقذ عند اليهود خاصّة بعد السبي البابلي على يد الملك نبوخذ نصر الكلداني، حيث أنّ فكرة المنقذ المنتظر عند بني إسرائيل تتكثّف كلّما أصابهم الحيف والشقاء. ويضفي النص التوراتي على المنقذ صبغة أسطورية وينسب له الخوارق والبطولات مثل "القضاة الإثني عشر" الذين جاؤوا مخلّصين لبني إسرائيل ويبدو جليّا أن العدد الإثني عشر له علاقة بأبراج بابل الإثني عشر ونفس هذا الرقم المقدّس سوف يكون حاضرا في اللاهوت المسيحي من خلال الحواريين الإثني عشر وكذلك عند المسلمين الشيعة الإثناعشرية من خلال الأئمّة الإثني عشر المنحدرين من آل البيت. فكرة المخلّص هيّ فكرة عابرة الثقافات والأديان نجدها بنفس الملامح في ملحمة جلجامش الرافدية وفي المعتقدات الأوزيرسية المصرية وفي الديانة الزرادشتية الفارسية ثمّ في الديانة اليهودية حيث تجلّى الاله "يهوه" في صورة الأب المنقذ، وفي الديانة المسيحية تجلّى في صورة الإبن المنقذ يسوع  المسيح الذي ضحّى بنفسه على الصليب لمحو  خطايا البشر ويصبح الحفيد المنقذ عند الشيعة المسلمين من خلال تضحية الحسين بنفسه في كربلاء.

نسجت كلّ فرقة من الفرق الشيعيّة أسطورة مهديّها الخاصّ بها،  فالمهدي الإثني عشر ليس هوّ نفسه المهدي الإسماعيلي وهذا الأخير ليس هوّ نفسه المهدي القرمطي.  وللمسلمين السنّة كذلك مهديّا يسمّى "المهدي السفياني" ورد ذكره في عدةّ أحاديث منسوبة للرسول،  ورجّح عديد المؤرّخين أن يكون حكيم بني أميّة خالد بن يزيد هوّ من وضع قصّة المهدي السفياني بعد أن أزاحه عن الحكم إبن عمّه مروان بن الحكم وتزوّج من أمّه، أرملة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ،  وإنتشرت فكرة المنقذ السفياني خاصّة بعد سقوط الخلافة الأمويّة في دمشق وقيام الخلافة العباسيّة في بغداد.

إذن فكرة المهدي المنتظر تعود إلى الثقافة الرافدية والمصريّة القديمة والديانة الزرادشتية ثمّ اليهودية والمسيحيّة وليست من العقائد التي جاء بها الإسلام كما يدّعي البعض.

فهل يعقل أن يبقى المسلمون أمام باب سرداب غيبة مخلّص خرافي مختبأ منذ أكثر من ألف و مائتي سنة؟

 

إنّ سجن الشيخ محمّد عبد الله نصر كان نتيجة الحملة المغرضة التي تعرّض لها من طرف البخاريين المعاصرين الذين إعتبروا أنّ نقده لصحيح البخاري سوف يؤدّي إلى هدم السنّة النبويّة والحال أنّ المذاهب السنيّة الرئيسية الأربعة تأسست قبل ظهور مصنّف البخاري؛ أوّلها المذهب الحنفي ومؤسسه أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي(150-80ھ)، وثانيها المذهب المالكي ومؤسسه مالك بن أنس (179-93ھ)،  وثالثها المذهب الشافعي ومؤسسه محمد بن إدريس الشافعي (204-150ھ)،  ورابعها المذهب الحنبلي ومؤسسه أحمد بن حنبل(241-164ھ). لم يعاصر الإمام البخاري الذي ولد كما أسلفنا القول سنة (194ھ) سوى أحمد بن حنبل وهذا الأخير له مصنّفه الخاص بأحاديث الرسول وهو "المسند" ويضمّ ثلاثين ألف حديث، والبخاري تلميذه ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون قد إعتمد على كتاب صحيح البخاري لتأسيس مذهبه. إذن فكرة هدم السنّة نتيجة نقد صحيح البخاري تعلّة واهية.

إذا كان زعم، الذين يقدّسون ما رواه البخاري، صحيحا، فكيف حافظ المسلمون على سنّتهم القوليّة والعمليّة قبل ميلاد البخاري وتصنيفه لصحيحه؟

 

يتعرّض الإسلام إلى أكبر تحدّ منذ ظهوره إلى اليوم، ومواجهة هذا التحدّي تستوجب مساءلة نقديّة لنصوصه التأسيسيّة لإعادة صياغة خطاب ديني تنويري متصالحا مع التاريخ. المسلمون عليهم تحرير عقيدتهم من الكهنوت الديني المهيمن على مقدّساتهم منذ الهزيمة الفكريّة والسياسيّة للمعتزلة أمام الحنابلة والأشاعرة بعد معركة حامية الوطيس إمتدّت من القرن الأوّل إلى القرن الخامس للهجرة، عندها أصبح النص القرآني وبإرادة سياسيّة نصّا مفارقا لحياة المسلمين وصفة أزليّة قديمة لله بعدما كان خطابا موجّها للنّاس، وسوف يكون لأهل الحلّ والعقد وحدهم مشروعيّة تأويل مقاصد هذا النصّ المفارق، ثمّ يسلّطون على رقاب المسلمين سيف "الإجماع" الموهوم. كيف لهذا النصّ أن يصبح قديما ومفارقا للبشر وهو الذي نزل على سبعة أحرف لتيسير فهمه وتفسيره لقبائل من البدو إختلفت لهجاتهم وطبائعهم؟

النصّ القرآني الذي يحاول الفقهاء الإستئثار بتأويله كان عند نزوله مجالا مفتوحا للسجال، ولم يقنّن إلاّ بعد خمسة عشرعاما من وفاة الرسول مع الخليفة عثمان بن عفّان ، والمسافة الزمنيّة الفاصلة بين القرآن والمصحف (مصحف عثمان) كانت مسرحا لصراعات سياسيّة وفكريّة سوف تكون حاسمة في تاريخ المسلمين. علي بن أبي طالب في معركة صفّين عندما طلب منه خصومه من جيش معاوية تحكيم القرآن بينهم قال " هذا القرآن إنّما هوّ خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان وإنّما ينطق عنه الرجال".

منذ أكثر من أربعة عشر قرنا والكهنوت الإسلامي النقلي ينطق عن القرآن بما يتناسب ومصلحة السلطة السياسيّة الداعمة له،  لذلك آن الأوان للمسلمين المستنيرين أن يخوضوا وبكلّ جرأة معركة الأفكار من أجل التأسيس لخطاب ديني تنويري متصالح مع العقل، والقطع مع لاهوت العنف والإستبداد.

أهمّ المراجع المعتمدة:

*كتاب: صحيح البخاري المسمى بـ "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد االله البخاري

الناشر: دار طوق النجاة

الطبعة: الأولى، 1422 هـ

عدد الأجزاء: 9

*كتاب: السلطة في الإسلام؛  العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ للكاتب عبد الجواد ياسين،  من إصدارات المركز الثقافي العربي،  الطبعة الثانية 2000.

*كتاب: فكرة المخلّص، بحث في الفكر المهدوي للكاتب محمّد النّاصر صدّيقي. جداول للنشر والتوزيع يناير 2012.

*كتاب: نصوص حول القرآن في السعي وراء القرآن الحي للكاتب علي مبروك،  المركز الثقافي العربي أكتوبر 2014.

*الصفحة الرسميّة للشيخ محمّد عبد الله نصر على موقع التواصل الإجتماعي فايسبوك وقناته الخاصّة على موقع يوتيوب.

 

الكلمات المفاتيح: 

  • جبهة أزهريون مع الدولة المدنيّة، عبد الفتاح مورو،